محمد بن جرير الطبري

58

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

ابن فضيل ، عن ضرار ، عن عبد الله ، قال : قال له رجل : يا أبا عبد الرحمن ، إن أهل المدينة ليوفون الكيل ، قال : وما يمنعهم من أن يوفوا الكيل ، وقد قال الله : وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ حتى بلغ : يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا يحيى بن واضح ، قال : ثنا الحسين بن واقد ، عن يزيد ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة كانوا من أخبث الناس كيلا ، فأنزل الله : وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ فأحسنوا الكيل . حدثني محمد بن خالد بن خداش ، قال : ثنا سلم بن قتيبة ، عن قسام الصيرفي ، عن عكرمة قال : أشهد أن كل كيال ووزان في النار ، فقيل له في ذلك ، فقال : إنه ليس منهم أحد يزن كما يتزن ، ولا يكيل كما يكتال ، وقد قال الله : وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ وقوله : الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ يقول تعالى ذكره : الذين إذا اكتالوا من الناس ما لهم قبلهم من حق ، يستوفون لأنفسهم فيكتالونه منهم وافيا ؛ " وعلى " " ومن " في هذا الموضع يتعاقبان غير أنه إذا قيل : اكتلت منك ، يراد : استوفيت منك . وقوله : وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يقول : وإذا هم كالوا للناس أو وزنوا لهم . ومن لغة أهل الحجاز أن يقولوا : وزنتك حقك ، وكلتك طعامك ، بمعنى : وزنت لك وكلت لك . ومن وجه الكلام إلى هذا المعنى ، جعل الوقف على هم ، وجعل هم في موضع نصب . وكان عيسى بن عمر فيما ذكر عنه يجعلهما حرفين ، ويقف على كالوا ، وعلى وزنوا ، ثم يبتدئ : هم يخسرون . فمن وجه الكلام إلى هذا المعنى ، جعل هم في موضع رفع ، وجعل كالوا ووزنوا مكتفيين بأنفسهما . والصواب في ذلك عندي : الوقف على هم ، لأن كالوا ووزنوا لو كانا مكتفيين ، وكانت هم كلاما مستأنفا ، كانت كتابة كالوا ووزنوا بألف فاصلة بينها وبين هم مع كل واحد منهما ، إذ كان بذلك جرى الكتاب في نظائر ذلك ، إذا لم يكن متصلا به شيء من كنايات المفعول ، فكتابهم ذلك في هذا الموضع بغير ألف أوضح الدليل على أن قوله : هم إنما هو كناية أسماء المفعول بهم . فتأويل الكلام إذ كان الأمر على ما وصفنا ، على ما بينا . وقوله : يُخْسِرُونَ يقول : ينقصونهم . وقوله : أَ لا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يقول تعالى ذكره : ألا يظن هؤلاء المطففون الناس في مكاييلهم وموازينهم ، أنهم مبعوثون من قبورهم بعد مماتهم ، ليوم عظيم شأنه ، هائل أمره ، فظيع هوله . وقوله : يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ فيوم يقوم تفسير عن اليوم الأول المخفوض ، ولكنه لما لم يعد عليه اللام ، رد إلى " مبعوثون " ، فكأنه قال : ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون يوم يقوم الناس ؟ وقد يجوز نصبه وهو بمعنى الخفض ، لأنها إضافة غير محضة ، ولو خفض ردا على اليوم الأول لم يكن لحنا ، ولو رفع جاز ، كما قال الشاعر : وكنت كذي رجلين : رجل صحيحة * ورجل رمى فيها الزمان فشلت وذكر أن الناس يقومون لرب العالمين يوم القيامة ، حتى يلجمهم العرق ، فبعض يقول : مقدار ثلاث مئة عام ، وبعض يقول : مقدار أربعين عاما . ذكر من قال ذلك : حدثني علي بن سعيد الكندي ، قال : ثنا عيسى بن يونس ، عن ابن عون ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، في قوله : يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ قال : " يقوم أحدكم في رشحه إلى أنصاف أذنيه " . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبو خالد الأحمر ، عن ابن عون ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ قال : يغيب أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه . حدثنا حميد بن مسعدة ، قال : ثنا