محمد بن جرير الطبري

46

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

ذنب ضرب ؛ كما قال عنترة : الشاتمي عرضي ولم أشتمهما * والناذرين إذا لقيتهما دمي وذلك أنهما كانا يقولان : إذا لقينا عنترة لنقتلنه . فحكى عنترة قولهما في شعره ؛ وكذلك قول الآخر : رجلان من ضبة أخبرانا * إنا رأينا رجلا عريانا بمعنى : أخبرانا أنهما ، ولكنه جرى الكلام على مذهب الحكاية . وقرأ ذلك بعض عامة قراء الأمصار : وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ بمعنى : سئلت الموءودة بأي ذنب قتلت ، ومعنى قتلت : قتلت ، غير أن ذلك رد إلى الخبر على وجه الحكاية على نحو القول الماضي قبل ، وقد يتوجه معنى ذلك إلى أن يكون : وإذا الموءودة سئلت قتلتها ووائدوها ، بأي ذنب قتلوها ؟ ثم رد ذلك إلى ما لم يسم فاعله ، فقيل : بأي ذنب قتلت . وأولى القراءتين في ذلك عندنا بالصواب : قراءة من قرأ ذلك سُئِلَتْ بضم السين بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ على وجه الخبر ، لإجماع الحجة من القراء عليه . والموءودة : المدفونة حية ، وكذلك كانت العرب تفعل ببناتها ؛ ومنه قول الفرزدق بن غالب : ومنا الذي أحيا الوئيد وغالب * وعمرو ، ومنا حاملون ودافع يقال : وأده فهو يئده وأدا ، ووأدة . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ : هي في بعض القراءات : " سألت بأي ذنب قتلت ؟ " لا بذنب ، كان أهل الجاهلية يقتل أحدهم ابنته ، ويغذو كلبه ، فعاب الله ذلك عليهم . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، قال : جاء قيس بن عاصم التميمي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إني وأدت ثماني بنات في الجاهلية ، قال : " فأعتق عن كل واحدة بدنة " حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن أبيه ، عن أبي يعلى ، عن الربيع بن خيثم وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ قال : كانت العرب من أفعل الناس لذلك . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا وكيع ، عن سفيان ، عن أبيه ، عن أبي يعلى ، عن ربيع بن خيثم بمثله . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن هب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ قال : البنات التي كانت طوائف العرب يقتلونهن ، وقرأ : بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ . وقوله : وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ يقول تعالى ذكره : وإذا صحف أعمال العباد نشرت لهم ، بعد أن كانت مطوية على ما فيها مكتوب ، من الحسنات والسيئات . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ صحيفتك بابن آدم ، تملى ما فيها ، ثم تطوى ، ثم تنشر عليك يوم القيامة . واختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء المدينة نُشِرَتْ بتخفيف الشين ، وكذلك قرأه أيضا بعض الكوفيين ، وقرأ ذلك بعض قراء مكة وعامة قراء الكوفة ، بتشديد الشين . واعتل من اعتل منهم لقراءته ذلك كذلك ، بقول الله : أَنْ يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً ولم يقل منشورة ، وإنما حسن التشديد فيه ، لأنه خبر عن جماعة ، كما يقال : هذه كباش مذبحة ، ولو أخبر عن الواحد بذلك كانت مخففة ، فقيل مذبوحة ، فكذلك قوله منشورة . القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ