محمد بن جرير الطبري

47

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

يقول تعالى ذكره : وإذا السماء نزعت وجذبت ، ثم طويت . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : كُشِطَتْ قال : جذبت . وذكر في قراءة عبد الله : " قشطت " بالقاف ، والقشط والكشط : بمعنى واحد ، وذلك تحويل من العرب الكاف قافا ، لتقارب مخرجيهما ، كما قيل للكافور قافور ، وللقسط : كسط ، وذلك كثير في كلامهم ، إذا تقارب مخرج الحرفين ، أبدلوا من كل واحد منهما صاحبه ، كقولهم للأثافي : أثاثي ، وثوب فرقبي وثرقبي . وقوله وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ يقول تعالى ذكره : وإذا الجحيم أوقد عليها فأحميت . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ : سعرها غضب الله ، وخطايا بني آدم . واختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء المدينة سُعِّرَتْ بتشديد عينها ، بمعنى أوقد عليها مرة بعد مرة ، وقرأته عامة قراء الكوفة بالتخفيف . والقول في ذلك أنهما قراءتان معروفتان ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب . وقوله : وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ يقول تعالى ذكره : وإذا الجنة قربت وأدنيت . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا وكيع ، عن سفيان ، عن أبيه ، عن أبي يعلى ، عن الربيع بن خيثم : وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ قال : إلى هذين ما جرى الحديث : فريق في الجنة ، وفريق في السعير . حدثني ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن أبيه ، عن أبي يعلى ، عن الربيع وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ قال : إلى هذين ما جرى الحديث : فريق إلى الجنة ، وفريق إلى النار . يعنى الربيع بقوله : إلى هذين ما جرى الحديث أن ابتداء الخبر إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ إلى قوله : وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ إنما عددت الأمور الكائنة التي نهايتها أحد هذين الأمرين ، وذلك المصير إما إلى الجنة ، وإما إلى النار . وقوله : عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ يقول تعالى ذكره : علمت نفس عند ذلك ما أحضرت من خير ، فتصير به إلى الجنة ، أو شر فتصير به إلى النار ، يقول : يتبين له عند ذلك ما كان جاهلا به ، وما الذي كان فيه صلاحه من غيره . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ من عمل ، قال : قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : وإلى هذا جرى الحديث . وقوله : عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ جواب لقوله : إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ وما بعدها ، كما يقال : إذا قام عبد الله قعد عمرو . وقوله : فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ اختلف أهل التأويل في بِالْخُنَّسِ الْجَوارِ الْكُنَّسِ فقال بعضهم : هي النجوم الدراري الخمسة ، تخنس في مجراها فترجع ، وتكنس فتستتر في بيوتها ، كما تكنس الظباء في المغار ، والنجوم الخمسة : بهرام ، وزحل ، وعطارد ، والزهرة ، والمشتري . ذكر من قال ذلك : حدثنا هناد ، قال : ثنا أبو الأحوص ، عن سماك ، عن خالد بن عرعرة ، أن رجلا قام إلى علي عليه السلام ، فقال : ما الْجَوارِ الْكُنَّسِ قال : هي الكواكب . حدثنا ابن المثنى ، قال : ثنا محمد بن جعفر ، قال : ثنا شعبة ، عن سماك بن حرب ، قال : سمعت خالد بن عرعرة ، قال : سمعت عليا عليه السلام ، وسئل عن فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوارِ الْكُنَّسِ قال : هي النجوم تخنس بالنهار ، وتكنس بالليل . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا وكيع ، عن سماك ، عن خالد بن عرعرة ،