محمد بن جرير الطبري
170
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
في تأويل قوله تعالى : وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا يقول تعالى ذكره : وما أمر الله هؤلاء اليهود والنصارى الذين هم أهل الكتاب إلا أن يعبدوا الله مخلصين له الدين ؛ يقول : مفردين له الطاعة ، لا يخلطون طاعتهم ربهم بشرك ، فأشركت اليهود بربها بقولهم إن عزيرا ابن الله ، والنصارى بقولهم في المسيح مثل ذلك ، وجحودهم نبوة محمد صلى الله عليه وسلم . وقوله : حُنَفاءَ قد مضى بياننا في معنى الحنيفية قبل ، بشواهده المغنية عن إعادتها ، غير أنا نذكر بعض ما لم نذكر قبل من الأخبار في ذلك . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، في قوله : مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ يقول : حجاجا مسلمين غير مشركين ، يقول : وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ ويحجوا وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ والحنيفية : الختان ، وتحريم الأمهات والبنات والأخوات والعمات ، والخالات ، والمناسك . وقوله : وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ يقول : وليقيموا الصلاة ، وليؤتوا الزكاة . وقوله : وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ يعني أن هذا الذي ذكر أنه أمر به هؤلاء الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين ، هو الدين القيمة ، ويعني بالقيمة : المستقيمة العادلة ، وأضيف الدين إلى القيمة ، والدين هو القيم ، وهو من نعته لاختلاف لفظيهما . وهي في قراءة عبد الله فيما أرى فيما ذكر لنا : وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ وأنثت القيمة ، لأنها جعلت صفة للملة ، كأنه قيل : وذلك الملة القيمة ، دون اليهودية والنصرانية . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ هو الدين الذي بعث الله به رسوله ، وشرع لنفسه ، ورضي به . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : كُتُبٌ قَيِّمَةٌ وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ قال : هو واحد ؛ قيمة : مستقيمة معتدلة . القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أُولئِكَ هُمْ يقول تعالى ذكره : إن الذين كفروا بالله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم ، فجحدوا نبوته ، من اليهود والنصارى والمشركين جميعهم فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها يقول : ماكثين ، لابثين فيها أبدا لا يخرجون منها ، ولا يموتون فيها أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ يقول جل ثناؤه : هؤلاء الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين ، هم شر من برأه الله وخلقه ؛ والعرب لا تهمز البرية ، وبترك الهمز فيها قرأتها قراء الأمصار ، غير شيء يذكر عن نافع بن أبي نعيم ، فإنه حكى بعضهم عنه أنه كان يهمزها ، وذهب بها إلى قول الله : مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها وأنها فعيلة من ذلك . وأما الذين لم يهمزوها ، فإن لتركهم الهمز في ذلك وجهين : أحدهما أن يكونوا تركوا الهمز فيها ، كما تركوه من الملك ، وهو مفعل من ألك أو لأك ، ومن يرى ، وترى ، ونرى ، وهو يفعل من رأيت . والآخر : أن يكونوا وجهوها إلى أنها فعيلة من البرى وهو التراب . حكي عن العرب سماعا : بفيك البرى ، يعني به : التراب . وقوله : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ