محمد بن جرير الطبري
14
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
يقول تعالى ذكره : لا يسمعون في الجنة لغوا ، يعني باطلا من القول ، ولا كذابا ، يقول : ولا مكاذبة ، أي لا يكذب بعضهم بعضا . وقرأت القراء في الأمصار بتشديد الذال على ما بينت في قوله : وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذَّاباً سوى الكسائي فإنه خففها لما وصفت قبل ، والتشديد أحب إلي من التخفيف ، وبالتشديد القراءة ، ولا أرى قراءة ذلك بالتخفيف لإجماع الحجة من القراء على خلافه ؛ ومن التخفيف قول الأعشى : فصدقتها وكذبتها * والمرء ينفعه كذابة وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة لَغْواً وَلا كِذَّاباً قال : باطلا وإثما . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا كِذَّاباً قال : وهي كذلك ليس فيها لغو ولا كذاب . القول في تأويل قوله تعالى : جَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً حِساباً رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ . . . لا يَتَكَلَّمُونَ يعني بقوله جل ثناؤه : جَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً أعطى الله هؤلاء المتقين ما وصف في هذه الآيات ثوابا من ربك بأعمالهم ، على طاعتهم إياه في الدنيا . وقوله : عَطاءً يقول : تفضلا من الله عليهم بذلك الجزاء ، وذلك أنه جزاهم بالواحد عشرا في بعض ، وفي بعض بالواحد سبع مئة ، فهذه الزيادة وإن كانت جزاء فعطاء من الله . وقوله : حِساباً يقول : محاسبة لهم بأعمالهم لله في الدنيا . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : جَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً حِساباً قال : عطاء منه حسابا لما عملوا . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة جَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً حِساباً أي عطاء كثيرا ، فجزاهم بالعمل اليسير ، الخير الجسيم ، الذي لا انقطاع له . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، في قوله : عَطاءً حِساباً قال : عطاء كثيرا ؛ وقال مجاهد : عطاء من الله حسابا بأعمالهم . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : سمعت ابن زيد يقول في قول الله : جَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً حِساباً فقرأ : إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً حَدائِقَ وَأَعْناباً وَكَواعِبَ أَتْراباً إلى عَطاءً حِساباً قال : فهذه جزاء بأعمالهم عطاء الذي أعطاهم ، عملوا له واحدة ، فجزاهم عشرا ، وقرأ قول الله : مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وقرأ قول الله : مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ قال : يزيد من يشاء ، كان هذا كله عطاء ، ولم يكن أعمالا يحسبه لهم ، فجزاهم به حتى كأنهم عملوا له ، قال : ولم يعملوا إنما عملوا عشرا ، فأعطاهم مئة ، وعملوا مئة ، فأعطاهم ألفا ، هذا كله عطاء ، والعمل الأول ، ثم حسب ذلك حتى كأنهم عملوا ، فجزاهم كما جزاهم بالذي عملوا . وقوله : رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الرَّحْمنِ يقول جل ثناؤه : جزاء من ربك رب السماوات السبع والأرض وما بينهما من الخلق . واختلف القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء المدينة : " رب السماوات والأرض وما بينهما الرحمن " بالرفع في كليهما . وقرأ ذلك بعض أهل البصرة