محمد بن جرير الطبري
7
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
أَ فَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ يقول تعالى ذكره : أَ فَمَنْ يَمْشِي أيها الناس مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ لا يبصر ما بين يديه ، وما عن يمينه وشماله أَهْدى أشد استقامة على الطريق ، وأهدى له ، أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا مشي بني آدم على قدميه عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ يقول : على طريق لا اعوجاج فيه ؛ وقيل مُكِبًّا لأنه فعل غير واقع ، وإذا لم يكن واقعا أدخلوا فيه الألف ، فقالوا : أكب فلان على وجهه ، فهو مكب ؛ ومنه قول الأعشى : مكبا على روقيه يحفز عرقها * على ظهر عريان الطريقة أهيما فقال : مكبا ، لأنه فعل غير واقع ، فإذا كان واقعا حذفت منه الألف ، فقيل : كببت فلانا على وجهه وكبه الله على وجهه . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله : أَ فَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ يقول : من يمشي في الضلالة أهدى ، أم من يمشي مهتديا ؟ . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ قال : في الضلالة أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ قال : حق مستقيم . حدثنا عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : ثنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : أَ فَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ يعني الكافر أهدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا المؤمن ؟ ضرب الله مثلا لهما . وقال آخرون : بل عنى بذلك أن الكافر يحشره الله يوم القيامة على وجهه ، فقال : أَ فَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ يوم القيامة أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا يومئذ . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : أَ فَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى " هو الكافر أكب على معاصي الله في الدنيا ، حشره الله يوم القيامة على وجهه " ، فقيل : يا نبي الله كيف يحشر الكافر على وجهه ؟ قال : " إن الذي أمشاه على رجليه قادر أن يحشره يوم القيامة على وجهه " حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة أَ فَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ قال " هو الكافر يعمل بمعصية الله ، فيحشره الله يوم القيامة على وجهه " . قال معمر : قيل للنبي صلى الله عليه وسلم : كيف يمشون على وجوههم ؟ قال : " إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم " حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ قال المؤمن عمل بطاعة الله ، فيحشره الله على طاعته . القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ يقول تعالى ذكره : قل يا محمد للذين يكذبون بالبعث من المشركين . الله الذي أنشأكم فخلقكم ، وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ تسمعون به وَالْأَبْصارَ تبصرون بها وَالْأَفْئِدَةَ تعقلون بها . قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ يقول : قليلا ما تشكرون ربكم على هذه النعم التي أنعمها عليكم . القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ . . . إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد : قل يا محمد ، الله الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ يقول : الله الذي خلقكم في الأرض وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ يقول : وإلى الله تحشرون ، فتجمعون من قبوركم