محمد بن جرير الطبري

66

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

في قول الله : وَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا قال أحدهما : غناه ، وقال الآخر : عظمته . وقال آخرون : عني بذلك الجد الذي هو أبو الأب ، قالوا : ذلك كان من كلام جهلة الجن . ذكر من قال ذلك : حدثني أبو السائب ، قال : ثني أبو جعفر محمد بن عبد الله بن أبي سارة ، عن أبيه أب جد سعد ، عن أبي جعفر : تَعالى جَدُّ رَبِّنا قال : كان كلاما من جهلة الجن . وقال آخرون : عني بذلك : ذكره . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قول الله : تَعالى جَدُّ رَبِّنا قال : ذكره . وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب قول من قال : عني بذلك : تعالت عظمة ربنا وقدرته وسلطانه . وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب لأن للجد في كلام العرب معنيين : أحدهما الجد الذي هو أبو الأب ، أو أبو الأم ، وذلك غير جائز أن يوصف به هؤلاء النفر الذين وصفهم الله بهذه الصفة ، وذلك أنهم قد قالوا : فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً ومن وصف الله بأن له ولدا أو جدا أو هو أبو أب أو أبو أم ، فلا شك أنه من المشركين . والمعنى الآخر : الجد الذي بمعنى الحظ ؛ يقال : فلان ذو جد في هذا الأمر : إذا كان له حظ فيه ، وهو الذي يقال له بالفارسية " البخت " ، وهذا المعنى الذي قصده هؤلاء النفر من الجن بقيلهم : وَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا إن شاء الله . وإنما عنوا أن حظوته من الملك والسلطان والقدرة والعظمة عالية ، فلا يكون له صاحبة ولا ولد ، لأن الصاحبة إنما تكون للضعيف العاجز الذي تضطره الشهوة الباعثة إلى اتخاذها ، وأن الولد إنما يكون عن شهوة أزعجته إلى الوقاع الذي يحدث منه الولد ، فقال النفر من الجن : علا ملك ربنا وسلطانه وقدرته وعظمته أن يكون ضعيفا ضعف خلقه الذين تضطرهم الشهوة إلى اتخاذ صاحبة ، أو وقاع شيء يكون منه ولد . وقد بين عن صحة ما قلنا في ذلك إخبار الله عنهم أنهم إنما نزهوا الله عن اتخاذ الصاحبة والولد بقوله : وَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً وَلا وَلَداً يقال منه : رجل جدي وجديد ومجدود : أي ذو حظ فيما هو فيه ؛ ومنه قول حاتم الطائي : أغزو بني ثعل فالغزو جدكم * عدو الروابي ولا تبكوا لمن قتلا وقال آخر : يرفع جدك إني امرؤ * سقتني إليك الأعادي سجالا وقوله : مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً يعني زوجة وَلا وَلَداً . واختلفت القراء في قراءة قوله وَأَنَّهُ تَعالى فقرأه أبو جعفر القارئ وستة أحرف أخر بالفتح ، منها : أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ وَأَنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ وكان نافع يكسرها إلا ثلاثة أحرف : أحدها : قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ والثانية وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا والثالثة وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ . وأما قراء الكوفة غير عاصم ، فإنهم يفتحون جميع ما في آخر سورة النجم وأول سورة الجن إلا قوله فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا وقوله : قُلْ إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي وما بعده إلى آخر السورة ، وأنهم يكسرون ذلك غير قوله : لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ . وأما عاصم فإنه كان يكسر جميعها إلا قوله : وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فإنه كان يفتحها ، وأما أبو عمرو ، فإنه كان يكسر جميعها إلا قوله : وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ فإنه كان يفتح هذه وما بعدها ؛ فأما الذين فتحوا جميعها إلا في موضع القول ، كقوله : فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا وقوله : قُلْ إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي ونحو ذلك ، فإنهم عطفوا أن في كل السورة على قوله