محمد بن جرير الطبري
67
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
فآمنا به ، وآمنا بك ذلك ، ففتحوها بوقوع الإيمان عليها . وكان الفراء يقول : لا يمنعنك أن تجد الإيمان يقبح في بعض ذلك من الفتح ، وأن الذي يقبح مع ظهور الإيمان قد يحسن فيه فعل مضارع للإيمان ، فوجب فتح أن كما قالت العرب : إذا ما الغانيات برزن يوما * وزججن الحواجب والعيونا فنصب العيون لاتباعها الحواجب ، وهي لا تزجج ، وإنما تكحل ، فأضمر لها الكحل ، كذلك يضمر في الموضع الذي لا يحسن فيه آمنا صدقنا وآمنا وشهدنا . قال : وبقول النصب قوله : وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ فينبغي لمن كسر أن يحذف " أن " من " لو " لأن " أن " إذا خففت لم تكن حكاية . ألا ترى أنك تقول : أقول لو فعلت لفعلت ، ولا تدخل " أن " . وأما الذين كسروها كلهم وهم في ذلك يقولون : وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا فكأنهم أضمروا يمينا مع " لو " وقطعوها عن النسق على أول الكلام ، فقالوا : والله أن لو استقاموا ؛ قال : والعرب تدخل " أن " في هذا الموضع مع اليمين وتحذفها ، قال الشاعر : فأقسم لو شيء أتانا رسوله * سواك ولكن لم نجد لك مدفعا قالوا : وأنشدنا آخر : أما والله أن لو كنت حرا * وما بالحر أنت ولا العتيق وأدخل " أن " من كسرها كلها ، ونصب وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فإنه خص ، ذلك بالوحي ، وجعل وَأَنْ لَوِ مضمرة فيها اليمين على ما وصفت . وأما نافع فإن ما فتح من ذلك فإنه رده على قوله : أُوحِيَ إِلَيَّ وما كسره فإنه جعله من قول الجن . وأحب ذلك إلي أن اقرأ به الفتح فيما كان وحيا ، والكسر فيما كان من قول الجن ، لأن ذلك أفصحها في العربية ، وأبينها في المعنى ، وأن كان للقراءات الأخر وجوه غير مدفوعة صحتها . القول في تأويل قوله تعالى : وَأَنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلَى اللَّهِ شَطَطاً وَأَنَّا ظَنَنَّا . . . مِنَ الْجِنِّ يقول عز وجل مخبرا عن قيل النفر من الجن الذين استمعوا القرآن أَنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا وهو إبليس . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة أَنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلَى اللَّهِ شَطَطاً وهو إبليس . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن رجل من المكيين ، عن مجاهد سَفِيهُنا عَلَى اللَّهِ شَطَطاً قال : إبليس : ثم قال سفيان : سمعت أن الرجل إذا سجد جلس إبليس يبكي يقول : يا ويله أمر بالسجود فعصى ، فله النار ، وأمر ابن آدم بالسجود فسجد ، فله الجنة . حدثني ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، قال : تلا قتادة : وَأَنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلَى اللَّهِ شَطَطاً وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِباً فقال : عصاه والله سفيه الجن ، كما عصاه سفيه الإنس . وأما الشطط من القول ، فإنه ما كان متعديا . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : ثنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : وَأَنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلَى اللَّهِ شَطَطاً قال : ظلما . وقوله : وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِباً يقول : قالوا : وأنا حسبنا أن لن تقول بنو آدم والجن على الله كذبا من القول ؛ والظن هاهنا بمعنى الشك ، وإنما أنكر : هؤلاء النفر