محمد بن جرير الطبري
61
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً ذكر لنا أن عبد الله بن عمرو بن العاص كان يقول : إن ضوء الشمس والقمر نورهما في السماء ، اقرءوا إن شئتم : أَ لَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً إلى آخر الآية . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، عن عبد الله بن عمرو أنه قال : إن الشمس والقمر وجوههما قبل السماوات ، وأقفيتهما قبل الأرض ، وأنا أقرأ بذلك آية من كتاب الله : وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً . حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : ثنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً يقول : خلق القمر يوم خلق سبع سماوات . وكان بعض أهل العربية من أهل البصرة يقول : إنما قيل وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً على المجاز ، كما يقال : أتيت بني تميم ، وإنما أتى بعضهم . وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً يقول : والله أنشأكم من تراب الأرض ، فخلقكم منه إنشاء . ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيها يقول : ثم يعيدكم في الأرض كما كنتم ترابا فيصيركم كما كنتم من قبل أن يخلقكم وَيُخْرِجُكُمْ إِخْراجاً يقول ويخرجكم منها إذا شاء أحياء كما كنتم بشرا من قبل أن يعيدكم فيها ، فيصيركم ترابا إخراجا . القول في تأويل قوله تعالى : وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطاً . . . مَنْ لَمْ يَزِدْهُ يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل نوح لقومه ، مذكرهم نعم ربه : وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطاً تستقرون عليها وتمتهدونها . وقوله : لِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلًا فِجاجاً يقول : لتسلكوا منها طرقا صعابا متفرقة ؛ والفجاج : جمع فج ، وهو الطريق . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة لِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلًا فِجاجاً قال : طرقا وأعلاما . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، في قوله لِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلًا فِجاجاً قال طرقا . حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : لِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلًا فِجاجاً يقول طرقا مختلفة . وقوله : قالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي فخالفوا أمري ، وردوا علي ما دعوتهم إليه من الهدى والرشاد . وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَساراً يقول : واتبعوا في معصيتهم إياي من دعاهم إلى ذلك ، ممن كثر ماله وولده ، فلم تزده كثرة ماله وولده إلا خسارا ، بعدا من الله ، وذهابا عن محجة الطريق . واختلفت القراء في قراءة قوله : وَوَلَدُهُ فقرأته عامة قراء المدينة : وَوَلَدُهُ بفتح الواو واللام ، وكذلك قرءوا ذلك في جميع القرآن . وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة بضم الواو وسكون اللام ، وكذلك كل ما كان من ذكر الولد من سورة مريم إلى آخر القرآن . وقرأ أبو عمرو كل ما في القرآن من ذلك بفتح الواو واللام في غير هذا الحرف الواحد في سورة نوح ، فإنه كان يضم الواو منه . والصواب من القول عندنا في ذلك ، إن كل هذه القراءات قراءات معروفات ، متقاربات المعاني ، فبأي ذلك قرأ القارئ فمصيب . وقوله : وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً يقول : ومكروا مكرا عظيما . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى : وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : كُبَّاراً قال : عظيما . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً كثيرا ، كهيئة قوله : لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا كِذَّاباً والكبار : هو الكبير ،