محمد بن جرير الطبري
62
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
كما قال ابن زيد ، تقول العرب : أمر عجيب وعجاب بالتخفيف ، وعجاب بالتشديد ؛ ورجل حسان وحسان ، وجمال وجمال بالتخفيف والتشديد ، وكذلك كبير وكبار بالتخفيف والتشديد . القول في تأويل قوله تعالى وَقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً يقول تعالى ذكره مخبرا عن إخبار نوح ، عن قومه : وَقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً كان هؤلاء نفرا من بني آدم فيما ذكر عن آلهة القوم التي كانوا يعبدونها . وكان من خبرهم فيما بلغنا ما : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن موسى ، عن محمد بن قيس وَيَعُوقَ وَنَسْراً قال : كانوا قوما صالحين من بني آدم ، وكان لهم أتباع يقتدون بهم ، فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم : لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم ، فصوروهم ، فلما ماتوا ، وجاء آخرون دب إليهم إبليس ، فقال : إنما كانوا يعبدونهم ، وبهم يسقون المطر فعبدوهم . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن أبيه أب جد سعد ، عن عكرمة ، قال : كان بين آدم ونوح عشرة قرون ، كلهم على الإسلام . وقال آخرون : هذه أسماء أصنام قوم نوح . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً قال : كان ود لهذا الحي من كلب بدومة الجندل ، وكانت سواع لهذيل برياط ، وكان يغوث لبني عطيف من مراد بالجرف من سبأ ، وكان يعوق لهمدان ببلخ ، وكان نسر لذي كلاع من حمير ؛ قال : وكانت هذه الآلهة يعبدها قوم نوح ، ثم اتخذها العرب بعد ذلك . والله ما عدا خشبة أو طينة أو حجرا . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً قال : كانت آلهة يعبدها قوم نوح ، ثم عبدتها العرب بعد ذلك ، قال : فكان ودا لكلب بدومة الجندل ، وكان سواع لهذيل ، وكان يغوث لبني غطيف من مراد بالجرف ، وكان يعوق لهمدان ، وكان نسر لذي الكلاع من حمير . حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً قال : هذه أصنام كانت تعبد في زمان نوح . حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : ثنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً قال : هذه أصنام ، وكانت تعبد في زمان نوح . حدثني عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : ثنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً هي آلهة كانت تكون باليمن . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً قال : هذه آلهتهم التي يعبدون . واختلفت القراء في قراءة قوله وَدًّا فقرأته عامة قراء المدينة : " ودا " بضم الواو . وقرأته عامة قراء الكوفة والبصرة : وَدًّا بفتح الواو . والصواب من القول في ذلك عندنا أنهما قراءتان معروفتان في قراء الأمصار ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب . وقوله : وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل نوح : وقد ضل بعبادة هذه الأصنام التي أحدثت على صور هؤلاء النفر المسمين في هذا الموضع كثير من الناس فنسب الضلال إذ ضل بها عابدوها إلى أنها المضلة . وقوله : وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلالًا يقول : ولا تزد الظالمين أنفسهم بكفرهم بآياتنا إلا ضلالا ، إلا طبعا على قلبه ، حتى لا يهتدي