محمد بن جرير الطبري

3

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

طبق ، بعضها فوق بعض . وقوله : ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ يقول جل ثناؤه : ما ترى في خلق الرحمن الذي خلق لا في سماء ولا في أرض ، ولا في غير ذلك من تفاوت ، يعني من اختلاف . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ ما ترى فيهم من اختلاف . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، في قوله مِنْ تَفاوُتٍ قال : من اختلاف . واختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء المدينة والبصرة وبعض الكوفيين : مِنْ تَفاوُتٍ بألف . وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة : " من تفوت " بتشديد الواو بغير ألف . والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان معروفتان بمعنى واحد ، كما قيل : ولا تصاعر ، ولا تصعر ؛ وتعهدت فلانا ، وتعاهدته ؛ وتظهرت ، وتظاهرت ؛ وكذلك التفاوت والتفوت . وقوله : فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ يقول : فرد البصر ، هل ترى فيه من صدوع ؟ وهي من قول الله : تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ بمعنى يتشققن ويتصدعن ، الفتور مصدر فطر فطورا . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ قال : الفطور : الوهي حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ يقول : هل ترى من خلل يا ابن آدم . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة مِنْ فُطُورٍ قال : من خلل حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ قال : من شقوق . وقوله : ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يقول جل ثناؤه : ثم رد البصر يا ابن آدم كرتين ، مرة بعد أخرى ، فانظر هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ أو تفاوت يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً يقول : يرجع إليك بصرك صاغرا معبدا من قولهم للكلب : اخسأ ، إذا طردوه ؛ أي أبعد صاغرا وَهُوَ حَسِيرٌ يقول : وهو معي كال . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يقول : هل ترى في السماء من خلل ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير بسواد الليل . حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، في قوله خاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ يقول : ذليلا وقوله : وَهُوَ حَسِيرٌ يقول : مرجف . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً أي حاسرا وَهُوَ حَسِيرٌ أي معي حدثني ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، في قوله خاسِئاً قال : صاغرا ، وَهُوَ حَسِيرٌ يقول : معي لم ير خللا ولا تفاوتا . وقال بعضهم : الخاسئ والحسير واحد . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس قال أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ الآية ، قال : الخاسئ ، والخاسر واحد ؛ حسر طرفه أن يرى فيها فطرا فرجع وهو حسير قبل أن يرى فيها فطرا ؛ قال : فإذا جاء يوم القيامة انفطرت ثم انشقت ، ثم جاء أمر أكبر من ذلك انكشطت . القول في تأويل قوله تعالى : وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ . . . عَذابَ السَّعِيرِ يقول تعالى ذكره : وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وهي النجوم ، وجعلها مصابيح لإضاءتها ، وكذلك الصبح إنما قيل له صبح للضوء الذي يضئ للناس من النهار . وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ يقول : وجعلنا المصابيح التي زينا بها السماء الدنيا رجوما للشياطين ترجم بها . وقد : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ إن الله جل ثناؤه إنما خلق هذه