محمد بن جرير الطبري
118
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
لِسانَكَ قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ القرآن فيكثر مخافة أن ينسى . وأشبه القولين بما دل عليه ظاهر التنزيل ، القول الذي ذكر عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، وذلك أن قوله : إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ينبئ أنه إنما نهى عن تحريك اللسان به متعجلا فيه قبل جمعه ؛ ومعلوم أن دراسته للتذكر إنما كانت تكون من النبي صلى الله عليه وسلم من بعد جمع الله له ما يدرس من ذلك . وقوله : إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ يقول تعالى ذكره : إن علينا جمع هذا القرآن في صدرك يا محمد حتى نثبته فيه وَقُرْآنَهُ يقول : وقرآنه حتى تقرأه بعد أن جمعناه في صدرك . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن موسى بن أبي عائشة عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ قال : في صدرك وَقُرْآنَهُ قال : تقرؤه بعد . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ أن نجمعه لك ، وقرآنه : أن نقرئك فلا تنسى حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : ثنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ يقول : إن علينا أن نجمعه لك حتى نثبته في قلبك . وكان آخرون يتأولون قوله : وَقُرْآنَهُ وتأليفه . وكان معنى الكلام عندهم : إن علينا جمعه في قلبك حتى تحفظه ، وتأليفه . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ يقول حفظه وتأليفه . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ قال : حفظه وتأليفه . وكان قتادة وجه معنى القرآن إلى أنه مصدر من قول القائل : قد قرأت هذه الناقة في بطنها جنينا ، إذا ضمت رحمها على ولد ، كما قال عمرو بن كلثوم : ذراعي عطيل أدماء بكر * هجان اللون لم تقرأ جنينا يعني بقوله : " لم تقرأ " : لم تضم رحما على ولد . وأما ابن عباس والضحاك فإنما وجها ذلك إلى أنه مصدر من قول القائل : قرأت أقرأ قرآنا وقراءة . وقوله : فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ اختلف أهل التأويل في تأويله ، فقال بعضهم : تأويله : فإذا أنزلناه إليك فاستمع قرأنه . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن منصور وابن أبي عائشة ، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس فَإِذا قَرَأْناهُ فإذا أنزلناه إليك فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ قال : فاستمع قرأنه . حدثنا سفيان بن وكيع ، قال : ثنا جرير ، عن موسى بن أبي عائشة ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ فإذا أنزلناه إليك فاستمع له . وقال آخرون : بل معنى ذلك : إذا تلي عليك فاتبع ما فيه من الشرائع والأحكام . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ يقول : إذا تلي عليك فاتبع ما فيه . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ يقول اتبع حلاله ، واجتنب حرامه . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ يقول : فاتبع حلاله ، واجتنب حرامه . حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : ثنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ يقول : اتبع ما فيه . وقال آخرون : بل معناه : فإذا بيناه فاعمل به . ذكر من قال ذلك : حدثنا علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس قوله : فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ يقول : اعمل به . وأولى هذه الأقوال بالصواب في ذلك قول من قال : فإذا تلي عليك فاعمل به من الأمر والنهي واتبع ما أمرت به فيه ، لأنه قيل له : إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ في صدرك