محمد بن جرير الطبري

35

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

اتَّقُوا اللَّهَ يقول تعالى ذكره : يا أيها الذين صدقوا الله ووحدوه ، اتقوا الله بأداء فرائضه ، واجتناب معاصيه . وقوله وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ يقول : ولينظر أحدكم ما قدم ليوم القيامة من الأعمال ، أمن الصالحات التي تنجيه أم من السيئات التي توبقه ؟ وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ : ما زال ربكم يقرب الساعة حتى جعلها كغد ، وغد يوم القيامة . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ يعني يوم القيامة . حدثنا عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : ثنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ يعني يوم القيامة . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، وقرأ قول الله عز وجل وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ يعني يوم القيامة الخير والشر ؛ قال : والأمس في الدنيا ، وغد في الآخرة ، وقرأ : كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ قال : كأن لم تكن في الدنيا . وقوله : وَاتَّقُوا اللَّهَ يقول : وخافوا الله بأداء فرائضه ، واجتناب معاصيه . إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ * يقول : إن الله ذو خبرة وعلم بأعمالكم خيرها وشرها ، لا يخفى عليه منها شيء ، وهو مجازيكم على جميعها . القول في تأويل قوله تعالى : وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ يقول تعالى ذكره : ولا تكونوا كالذين تركوا أداء حق الله الذي أوجبه عليهم فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ يقول : فأنساهم الله حظوظ أنفسهم من الخيرات . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ قال : نسوا حق الله ، فأنساهم أنفسهم ؛ قال : حظ أنفسهم . وقوله : أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ يقول جل ثناؤه : هؤلاء الذين نسوا الله ، هم الفاسقون ، يعني الخارجون من طاعة الله إلى معصيته . القول في تأويل قوله تعالى : لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ يقول تعالى ذكره : لا يعتدل أهل النار وأهل الجنة ، أهل الجنة هم الفائزون ، يعني أنهم المدركون ما طلبوا وأرادوا ، الناجون مما حذروا . القول في تأويل قوله تعالى : لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً . . . لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ وقوله : لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ يقول جل ثناؤه : لو أنزلنا هذا القرآن على جبل ، وهو حجر ، لرأيته يا محمد خاشعا ؛ يقول : متذللا ، متصدعا من خشية الله على قساوته ، حذرا من أن لا يؤدي حق الله المفترض عليه في تعظيم القرآن ، وقد أنزل على ابن آدم وهو بحقه مستخف ، وعنه ، عما فيه من العبر والذكر ، معرض ، كأن لم يسمعها ، كأن في أذنيه وقرا . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس قوله : لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ إلى قوله : لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ قال : يقول : لو أني أنزلت هذا القرآن على جبل حملته إياه تصدع وخشع من ثقله ومن خشية الله ، فأمر الله عز وجل الناس إذا أنزل عليهم القرآن ، أن يأخذوه بالخشية الشديدة والتخشع ، قال : كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ الآية ، يعذر الله الجبل الأصم ، ولم يعذر شقي ابن آدم ، هل رأيتم أحدا قط تصدعت جوانحه من خشية الله ؟ . وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ يقول تعالى ذكره : وهذه الأشياء نشبهها للناس ، وذلك تعريفه جل ثناؤه إياهم أن الجبال أشد تعظيما لحقه منهم مع قساوتها وصلابتها . وقوله : لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ