محمد بن جرير الطبري
36
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
يقول : يضرب الله لهم هذه الأمثال ليتفكروا فيها ، فينيبوا ، وينقادوا للحق . القول في تأويل قوله تعالى : هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ يقول تعالى ذكره : الذي يتصدع من خشيته الجبل أيها الناس ، هو المعبود الذي لا تنبغي العبادة والألوهية إلا له ، عالم غيب السماوات والأرض ، وشاهد ما فيهما مما يرى ويحس . هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ يقول : هو رحمن الدنيا والآخرة ، رحيم بأهل الإيمان به . القول في تأويل قوله تعالى : هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ . . . عَمَّا يُشْرِكُونَ يقول تعالى ذكره : هو المعبود الذي لا تصلح العبادة إلا له ، الملك الذي لا ملك فوقه ، ولا شيء إلا دونه ، القدوس ، قيل : هو المبارك . وقد بينت فيما مضى قبل معنى التقديس بشواهده ، وذكرت اختلاف المختلفين فيه بما أغنى عن إعادته . ذكر من قال : عني به المبارك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة الْقُدُّوسُ : أي المبارك . وقوله : السَّلامُ يقول : هو الذي يسلم خلقه من ظلمه ، وهو اسم من أسمائه ، كما : حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة السَّلامُ : الله السلام . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا يحيى بن واضح ، قال : ثنا عبيد الله ، يعني العتكي ، عن جابر بن زيد قوله : السَّلامُ قال : هو الله . وقد ذكرت الرواية فيما مضى ، وبينت معناه بشواهده ، فأغنى ذلك عن إعادته . وقوله : الْمُؤْمِنُ يعني بالمؤمن : الذي يؤمن خلقه من ظلمه . وكان قتادة يقول في ذلك ما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة الْمُؤْمِنُ أمن بقوله أنه حق . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة الْمُؤْمِنُ أمن بقوله أنه حق . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن جويبر عن الضحاك الْمُؤْمِنُ قال : المصدق . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله الْمُؤْمِنُ قال : المؤمن : المصدق الموقن ، آمن الناس بربهم فسماهم مؤمنين ، وآمن الرب الكريم لهم بإيمانهم صدقهم أن يسمى بذلك الاسم . وقوله : الْمُهَيْمِنُ اختلف أهل التأويل في تأويله ، فقال بعضهم : المهيمن الشهيد . ذكر من قال ذلك : حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، في قوله : الْمُهَيْمِنُ قال : الشهيد ، وقال مرة أخرى : الأمين . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم قال : ثنا عيسى وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله : الْمُهَيْمِنُ قال : الشهيد . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : الْمُهَيْمِنُ قال : أنزل الله عز وجل كتابا فشهد عليه . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة الْمُهَيْمِنُ قال : الشهيد عليه . وقال آخرون : المهيمن : الأمين . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن جويبر ، عن الضحاك الْمُهَيْمِنُ : الأمين . وقال آخرون : الْمُهَيْمِنُ : المصدق . ذكر من قال ذلك : حدثنا يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : الْمُهَيْمِنُ قال : المصدق لكل ما حدث ، وقرأ : وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ قال : فالقرآن مصدق على ما قبله من الكتب ، والله مصدق في كل ما حدث عما مضى من الدنيا ، وما بقي ، وما حدث عن الآخرة . وقد بينت أولى هذه الأقوال بالصواب فيما مضى قبل في سورة المائدة بالعلل الدالة على صحته ، فأغنى عن إعادته في هذا الموضع المهيمن . وقوله : الْعَزِيزُ : الشديد في انتقامه ممن انتقم من أعدائه ، كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة الْعَزِيزُ أي في نقمته إذا انتقم . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة الْعَزِيزُ في نقمته إذا انتقم . وقوله : الْجَبَّارُ يعني : المصلح أمور خلقه ، المصرفهم فيما فيه صلاحهم . وكان قتادة يقول : جبر خلقه على ما يشاء