محمد بن جرير الطبري
34
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
فقال له الشيطان : أنا زينت لك الزنا وقتلها بعد الزنا ، فهل لك أن أنجيك ؟ قال : نعم ، قال : أفتطيعني ؟ قال : نعم قال : فاسجد لي سجدة واحدة ، فسجد له ثم قتل ، فذلك قوله كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ الآية حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن ابن طاوس ، عن أبيه طاوس قال : كان رجل من بني إسرائيل عابدا ، وكان ربما داوى المجانين ، فكانت امرأة جميلة ، فأخذها الجنون ، فجيء بها إليه ، فتركت عنده ، فأعجبته فوقع عليها فحملت ، فجاءه الشيطان فقال : إن علم بهذا افتضحت ، فاقتلها وادفنها في بيتك ، فقتلها ودفنها ، فجاء أهلها بعد ذلك بزمان يسألونه ، فقال : ماتت ، فلم يتهموه لصلاحه فيهم ، فجاءهم الشيطان فقال : إنها لم تمت ، ولكنه وقع عليها فقتلها ودفنها في بيته في مكان كذا وكذا ، فجاء أهلها ، فقالوا : ما نتهمك ، فأخبرنا أين دفنتها ، ومن كان معك ، فوجدوها حيث دفنها ، فأخذ وسجن ، فجاءه الشيطان فقال : إن كنت تريد أن أخرجك مما أنت فيه فتخرج منه ، فاكفر بالله ، فأطاع الشيطان ، وكفر بالله ، فأخذ وقتل ، فتبرأ الشيطان منه حينئذ . قال : فما أعلم هذه الآية إلا نزلت فيه كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ وقال آخرون : بل عني بذلك الناس كلهم ، وقالوا : إنما هذا مثل ضرب للنضير في غرور المنافقين إياهم . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ عامة الناس . القول في تأويل قوله تعالى : فَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النَّارِ خالِدَيْنِ فِيها . . . وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ . . . بِما تَعْمَلُونَ يقول تعالى ذكره : فكان عقبى أمر الشيطان والإنسان الذي أطاعه ، فكفر بالله أنهما خالدان في النار ماكثان فيها أبدا وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ يقول : وذلك ثواب اليهود من النضير والمنافقين الذين وعدوهم النصرة ، وكل كافر بالله ظالم لنفسه على كفره به أنهم في النار مخلدون . واختلف أهل العربية في وجه نصب قوله : خالِدَيْنِ فِيها فقال بعض نحويي البصرة : نصب على الحال ، وفي النار خبر ؛ قال : ولو كان في الكلام لكان الرفع أجود في " خالدين " قال : وليس قولهم : إذا جئت مرتين فهو نصب لشيء ، إنما فيها توكيد جئت بها أو لم تجيء بها فهو سواء ، إلا أن العرب كثيرا ما تجعله حالا إذا كان فيها للتوكيد وما أشبهه في غير مكان ؛ قال : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها وقال بعض نحويي الكوفة : في قراءة عبد الله بن مسعود : " فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين في النار " ؛ قال : وفي أنهما في النار خالدين فيها نصب ؛ قال : ولا أشتهي الرفع وإن كان يجوز ، فإذا رأيت الفعل بين صفتين قد عادت إحداهما على موضع الأخرى نصبت ، فهذا من ذلك ؛ قال : ومثله في الكلام قولك : مررت برجل على نابه متحملا به ؛ ومثله قول الشاعر : والزعفران على ترائبها * شرقا به اللبات والنحر لأن الترائب هي اللبات هاهنا ، فعادت الصفة باسمها الذي وقعت عليه ، فإذا اختلفت الصفتان جاز الرفع والنصب على حسن ، من ذلك قولك : عبد الله في الدار راغب فيك ، ألا ترى أن " في " التي في الدار مخالفة لفي التي تكون في الرغبة ؛ قال : والحجة ما يعرف به النصف من الرفع أن لا ترى الصفة الآخرة تتقدم قبل الأولى ألا ترى أنك تقول : هذا أخوك في يده درهم قابضا عليه ، فلو قلت : هذا أخوك قابضا عليه في يده درهم لم يجز ، إلا ترى أنك تقول : هذا رجل قائم إلى زيد في يده درهم ، فهذا يدل على أن المنصوب إذا امتنع تقديم الآخر ، ويدل على الرفع إذا سهل تقديم الآخر . وقوله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا