محمد بن جرير الطبري

22

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

أرضهم ودورهم . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن الزهري ، قال : كان النضير من سبط لم يصبهم جلاء فيما مضى ، وكان الله قد كتب عليهم الجلاء ، ولولا ذلك لعذبهم في الدنيا بالقتل والسبي . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، قال : ثني محمد بن إسحاق ، عن يزيد بن رومان وَلَوْ لا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ وكان لهم من الله نقمة لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا أي بالسيف وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النَّارِ مع ذلك . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله : وَلَوْ لا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النَّارِ قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حاصرهم حتى بلغ منهم كل مبلغ ، فأعطوه ما أراد منهم ، فصالحهم على أن يحقن لهم دماءهم ، وأن يخرجهم من أرضهم وأوطانهم ، ويسيرهم إلى أذرعات الشام ، وجعل لكل ثلاثة منهم بعيرا وسقاء . حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : وَلَوْ لا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ أهل النضير ، حاصرهم نبي الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ منهم كل مبلغ ، فأعطوا نبي الله صلى الله عليه وسلم ما أراد ، ثم ذكر نحوه وزاد فيه : فهذا الجلاء . وقوله : ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ يقول تعالى ذكره : هذا الذي فعل الله بهؤلاء اليهود ما فعل بهم من إخراجهم من ديارهم ، وقذف الرعب في قلوبهم من المؤمنين ، وجعل لهم في الآخرة عذاب النار بما فعلوا هم في الدنيا من مخالفتهم الله ورسوله في أمره ونهيه ، وعصيانهم ربهم فيما أمرهم به من اتباع محمد صلى الله عليه وسلم وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ يقول تعالى ذكره : ومن يخالف الله في أمره ونهيه ، فإن الله شديد العقاب . القول في تأويل قوله تعالى : ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها . . . وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ يقول تعالى ذكره : ما قطعتم من ألوان النخل ، أو تركتموها قائمة على أصولها . اختلف أهل التأويل في معنى اللينة ، فقال بعضهم : هي جميع أنواع النخل سوى العجوة . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا سفيان ، عن داود بن أبي هند ، عن عكرمة : ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ قال : النخلة . حدثنا ابن المثني ، قال : ثنا عبد الأعلى ، قال : ثنا داود ، عن عكرمة أنه قال في هذه الآية : ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قال : اللينة : ما دون العجوة من النخل . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن يزيد بن رومان ، في قوله : ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ قال : اللينة : ما خالف العجوة من التمر . وحدثنا به مرة أخرى فقال : من النخل . حدثني يعقوب ، قال : ثنا ابن علية ، عن سعيد ، عن قتادة ، في قوله : ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ قال : النخل كله ما خلا العجوة . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، في قوله ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ واللينة : ما خلا العجوة من النخل . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن الزهري ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ ألوان النخل كلها إلا العجوة . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، قال : ثنا سفيان ، عن داود بن أبي هند ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ قال : النخلة دون العجوة . وقال آخرون : النخل كله لينة ، العجوة منه وغير العجوة . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا حكام ، عن عمرو ، عن منصور ، عن مجاهد ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ قال : النخلة . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله : ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ قال : نخلة . قال : نهى بعض المهاجرين بعضا عن قطع النخل ، وقالوا : إنما هي مغانم المسلمين ، ونزل القرآن بتصديق من نهى عن قطعه ، وتحليل من قطعه من الإثم ، وإنما قطعه وتركه بإذنه .