محمد بن جرير الطبري

21

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

فكان الرجل منهم يهدم بيته عن نجاف بابه ، فيضعه على ظهر بعيره فينطلق به ، قال : فذلك قوله : يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ وذلك هدمهم بيوتهم عن نجف أبوابهم إذا احتملوها . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قول الله عز وجل : يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ قال : هؤلاء النضير ، صالحهم النبي صلى الله عليه وسلم على ما حملت الإبل ، فجعلوا يقلعون الأوتاد يخربون بيوتهم . وقال آخرون : إنما قيل ذلك كذلك ، لأنهم كانوا يخربون بيوتهم ليبنوا بنقضها ما هدم المسلمون من حصونهم . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله : يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ قال : يعني بني النضير ، جعل المسلمون كلما هدموا شيئا من حصونهم جعلوا ينقضون بيوتهم ويخربونها ، ثم يبنون ما يخرب المسلمون ، فذلك هلاكهم . حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ يعني أهل النضير جعل المسلمون كلما هدموا من حصنهم جعلوا ينقضون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين ، ثم يبنون ما خرب المسلمون . واختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء الحجاز والمدينة والعراق سوى أبي عمرو : يُخْرِبُونَ بتخفيف الراء ، بمعنى يخرجون منها ويتركونها معطلة خرابا ، وكان أبو عمرو يقرأ ذلك " يخربون " بالتشديد في الراء بمعنى يهدمون بيوتهم . وقد ذكر عن أبي عبد الرحمن السلمي والحسن البصري أنهما كانا يقرآن ذلك نحو قراءة أبي عمرو . وكان أبو عمرو فيما ذكر عنه يزعم أنه إنما اختار التشديد في الراء لما ذكرت من أن الإخراب : إنما هو ترك ذلك خرابا بغير ساكن ، وإن بني النضير لم يتركوا منازلهم ، فيرتحلوا عنها ، ولكنهم خربوها بالنقض والهدم ، وذلك لا يكون فيما قال إلا بالتشديد . وأولى القراءتين في ذلك بالصواب عندي قراءة من قرأه بالتخفيف لإجماع الحجة من القراء عليه . وقد كان بعض أهل المعرفة بكلام العرب يقول : التخريب والإخراب بمعنى واحد ، وإنما ذلك في اختلاف اللفظ لا اختلاف في المعنى . وقوله : فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ يقول تعالى ذكره : فاتعظوا يا معشر ذوي الأفهام بما أحل الله بهؤلاء اليهود الذين قذف الله في قلوبهم الرعب ، وهم في حصونهم من نقمته ، واعلموا أن الله ولي من والاه ، وناصر رسوله على كل من ناوأه ، ومحل من نقمته به نظير الذي أحل ببني النضير . وإنما عنى بالأبصار في هذا الموضع أبصار القلوب ، وذلك أن الاعتبار بها يكون دون الإبصار بالعيون . القول في تأويل قوله تعالى : وَلَوْ لا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ . . . فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ يقول تعالى ذكره : ولولا أن الله قضى وكتب على هؤلاء اليهود من بني النضير في أم الكتاب الجلاء ، وهو الانتقال من موضع إلى موضع ، وبلدة إلى أخرى . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَلَوْ لا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ خروج الناس من البلد إلى البلد . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس وَلَوْ لا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ والجلاء : إخراجهم من أرضهم إلى أرض أخرى قال : ويقال الجلاء : الفرار يقال منه : جلا القوم من منازلهم ، وأجليتهم أنا . وقوله : لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا يقول تعالى ذكره : وَلَوْ لا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ من أرضهم وديارهم ، لعذبهم في الدنيا بالقتل والسبي ، ولكنه رفع العذاب عنهم في الدنيا بالقتل ، وجعل عذابهم في الدنيا والجلاء وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النَّارِ مع ما حل بهم من الخزي في الدنيا بالجلاء عن