محمد بن جرير الطبري

56

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

يقول جل ثناؤه : تجري السفينة التي حملنا نوحا فيها بمرأى منا ومنظر . وذكر عن سفيان في تأويل ذلك ما : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، في قوله : تَجْرِي بِأَعْيُنِنا يقول : بأمرنا . جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ اختلف أهل التأويل في تأويله : فقال بعضهم : تأويله فعلنا ذلك ثوابا لمن كان كفر فيه ، بمعنى : كفر بالله فيه . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ قال : كفر بالله . وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ قال : لمن كان كفر فيه . ووجه آخرون معنى " من " إلى معنى " ما " في هذا الموضع ، وقالوا : معنى الكلام : جزاء لما كان كفر من أيادي الله ونعمه عند الذين أهلكهم وغرقهم من قوم نوح . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ قال : لمن كان كفر نعم الله ، وكفر بأياديه وآلائه ورسله وكتبه ، فإن ذلك جزاء له . والصواب من القول من ذلك عندي ما قاله مجاهد ، وهو أن معناه : ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر ، وفجرنا الأرض عيونا ، فغرقنا قوم نوح ، ونجينا نوحا عقابا من الله وثوابا للذي جحد وكفر ، لأن معنى الكفر : الجحود ، والذي جحد ألوهيته ووحدانيته قوم نوح ، فقال بعضهم لبعض : لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً ومن ذهب به إلى هذا التأويل ، كانت من الله ، كأنه قيل : عوقبوا لله ولكفرهم به . ولو وجه موجه إلى أنها مراد بها نوح والمؤمنون به كان مذهبا ، فيكون معنى الكلام حينئذ ، فعلنا ذلك جزاء لنوح ولمن كان معه في الفلك ، كأنه قيل : غرقناهم لنوح ولصنيعهم بنوح ما صنعوا من كفرهم به . القول في تأويل قوله تعالى : وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً . . . مُدَّكِرٍ يقول تعالى ذكره : ولقد تركنا السفينة التي حملنا فيها نوحا ومن كان معه آية ، يعني عبرة وعظة لمن بعد قوم نوح من الأمم ليعتبروا ويتعظوا ، فينتهوا عن أن يسلكوا مسلكهم في الكفر بالله ، وتكذيب رسله ، فيصيبهم مثل ما أصابهم من العقوبة . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ قال : أبقاها الله بباقردى من أرض الجزيرة ، عبرة وآية ، حتى نظرت إليها أوائل هذه الأمة نظرا ، وكم من سفينة كانت بعدها قد صارت رمادا . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، في قوله : وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً قال : ألقى الله سفينة نوح على الجودي حتى أدركها أوائل هذه الأمة . ابن عبد الأعلى قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن مجاهد ، أن الله حين غرق الأرض ، جعلت الجبال تشمخ ، فتواضع الجودي ، فرفعه الله على الجبال ، وجعل قرار السفينة عليه . وقوله : فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ يقول : فهل من ذي تذكر يتذكر ما قد فعلنا بهذه الأمة التي كفرت بربها ، وعصت رسوله نوحا ، وكذبته فيما أتاهم به عن ربهم من النصيحة ، فيعتبر بهم ، ويحذر أن يحل به من عذاب الله بكفره بربه ، وتكذيبه رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم ، مثل الذي حل بهم ، فينيب إلى التوبة ، ويراجع الطاعة . وأصل مدكر : مفتعل من ذكر ، اجتمعت فاء الفعل ، وهي ذال ، وتاء وهي بعد الذال ، فصيرتا دالا مشددة ، وكذلك تفعل العرب فيما كان أوله ذالا يتبعها تاء الافتعال يجعلونهما جميعا دالا مشددة ، فيقولون : ادكرت ادكارا ، وإنما هو اذتكرت اذتكارا ، وفهل من مذتكر ، ولكن قيل : ادكرت ومدكر لما قد وصفت ، قد ذكر عن بعض بني أسد أنهم يقولون في ذلك مذكر ، فيقلبون الدال ويعتبرون الدال والتاء ذالا مشددة ، وذكر عن الأسود بن يزيد أنه قال : قلت لعبد الله بن مسعود : فهل من مدكر ، أو مذكر ، فقال : أقرأني