محمد بن جرير الطبري

57

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

رسول الله صلى الله عليه وسلم : " مذكر " يعنى بذال مشددة . وبنحو الذي قلنا في ذلك أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ قال : المدكر : الذي يتذكر ، وفي كلام العرب : المذكر : المتذكر . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ قال : فهل من مذكر . وقوله : فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ يقول تعالى ذكره : فكيف كان عذابي لهؤلاء الذين كفروا بربهم من قوم نوح ، وكذبوا رسوله نوحا ، إذ تمادوا في غيهم وضلالهم ، وكيف كان إنذاري بما فعلت بهم من العقوبة التي أحللت بهم بكفرهم بربهم ، وتكذيبهم رسوله نوحا ، صلوات الله عليه ، وهو إنذار لمن كفر من قومه من قريش ، وتحذير منه لهم ، أن يحل بهم على تماديهم في غيهم ، مثل الذي حل بقوم نوح من العذاب . وقوله : وَنُذُرِ يعني : وإنذاري ، وهو مصدر . وقوله : وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ يقول تعالى ذكره : ولقد سهلنا القرآن ، بيناه وفصلناه للذكر ، لمن أراد أن يتذكر ويعتبر ويتعظ ، وهوناه . كما : حدثنا محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ قال : هوناه . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ قال : يسرنا : بينا . وقوله : فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ يقول : فهل من معتبر متعظ يتذكر فيعتبر بما فيه من العبر والذكر . وقد قال بعضهم في تأويل ذلك : هل من طالب علم أو خير فيعان عليه ، وذلك قريب المعنى مما قلناه ، ولكنا اخترنا العبارة التي عبرناها في تأويله ، لأن ذلك هو الأغلب من معانيه على ظاهره . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ يقول : فهل من طالب خير يعان عليه . حدثنا الحسين بن علي الصدائي ، قال : ثنا يعقوب ، قال : ثني الحرث بن عبيد الإيادي قال : سمعت قتادة يقول في قول الله : فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ قال : هل من طالب خير يعان عليه . حدثنا علي بن سهل ، قال : ثنا ضمرة بن ربيعة أو أيوب بن سويد أو كلاهما ، عن ابن شوذب ، عن مطر ، في قوله : وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ قال : هل من طالب علم فيعان عليه . القول في تأويل قوله تعالى : كَذَّبَتْ عادٌ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ . . . كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ . . . وَنُذُرِ يقول تعالى ذكره : كذبت أيضا عاد نبيهم هودا صلى الله عليه وسلم فيما أتاهم به عن الله ، كالذي كذبت قوم نوح ، وكالذي كذبتم معشر قريش نبيكم محمدا صلى الله عليه وسلم وعلى جميع رسله ، فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ يقول : فانظروا معشر كفرة قريش بالله كيف كان عذابي إياهم ، وعقابي لهم على كفرهم بالله ، وتكذيبهم رسوله هودا ، وإنذاري بفعلي بهم ما فعلت من سلك طرائقهم ، وكانوا على مثل ما كانوا عليه من التمادي في الغي والضلالة . وقوله : إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً يقول تعالى ذكره : إنا بعثنا على عاد إذ تمادوا في طغيانهم وكفرهم بالله ريحا صرصرا ، وهي الشديدة العصوف في برد ، التي لصوتها صرير ، وهي مأخوذة من شدة صوت هبوبها إذا سمع فيها كهيئة قول القائل : صر ، فقيل منه : صرصر ، كما قيل : فكبكبوا فيها ، من فكبوا ، ونهنهت من نههت . وبنحو الذي قلتا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله : رِيحاً صَرْصَراً قال : ريحا باردة . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً والصرصر : الباردة . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، قال : الصرصر : الباردة . حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : ثنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك