محمد بن جرير الطبري

53

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

أهواءهم من الأخبار عن الأمم السالفة ، الذين كانوا من تكذيب رسل الله على مثل الذي هم عليه ، وأحل الله بهم من عقوباته ما قص في هذا القرآن ما فيه لهم مزدجر ، يعني : ما يردعهم ، ويزجرهم عما هم عليه مقيمون ، من التكذيب بآيات الله ، وهو مفتعل من الزجر . وبنحو الذي قلنا في معنى ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : مُزْدَجَرٌ قال : منتهي . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ أي هذا القرآن . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ قال : المزدجر : المنتهي . وقوله : حِكْمَةٌ بالِغَةٌ يعني بالحكمة البالغة : هذا القرآن ، ورفعت الحكمة ردا على " ما " التي في قوله : وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ . وتأويل الكلام : ولقد جاءهم من الأنباء النبأ الذي فيه مزدجر ، حكمة بالغة . ولو رفعت الحكمة على الاستئناف كان جائزا ، فيكون معنى الكلام حينئذ : ولقد جاءهم من الأنباء النبأ الذي فيه مزدجر ، ذلك حكمة بالغة ، أو هو حكمة بالغة فتكون الحكمة كالتفسير لها . وقوله : فَما تُغْنِ النُّذُرُ وفي " ما " التي في قوله : فَما تُغْنِ النُّذُرُ وجهان : أحدهما أن تكون بمعنى الجحد ، فيكون إذا وجهت إلى ذلك معنى الكلام ، فليست تغني عنهم النذر ولا ينتفعون بها ، لإعراضهم عنها وتكذيبهم بها . والآخر : أن تكون بمعنى : أني ، فيكون معنى الكلام إذا وجهت إلى ذلك : فأي شئ تغني عنهم النذر . والنذر : جمع نذير ، كالجدد : جمع جديد ، والحصر : جمع حصير . القول في تأويل قوله تعالى : فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ . . . يَقُولُ الْكافِرُونَ هذا يَوْمٌ عَسِرٌ يعني تعالى ذكره بقوله : فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فأعرض يا محمد عن هؤلاء المشركين من قومك ، الذين إن يروا آية يعرضوا ويقولوا : سحر مستمر ، فإنهم يوم يدعو داعي الله إلى موقف القيامة ، وذلك هو الشيء النكر . خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ يقول : ذليلة أبصارهم خاشعة ، لا ضرر بها يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ وهي جمع جدث ، وهي القبور ، وإنما وصف جل ثناؤه بالخشوع الأبصار دون سائر أجسامهم ، والمراد به جميع أجسامهم ، لأن أثر ذلة كل ذليل ، وعزة كل عزيز ، تتبين في ناظريه دون سائر جسده ، فلذلك خص الأبصار بوصفها بالخشوع . وبنحو الذي قلنا في معنى قوله : خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : " خاشعا أبصارهم " : أي ذليلة أبصارهم . واختلفت القراء في قراءة قوله : خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ فقرأ ذلك عامة قراء المدينة وبعض المكيين والكوفيين خُشَّعاً بضم الخاء وتشديد الشين ، بمعنى خاشع ؛ وقرأه عامة قراء الكوفة وبعض البصريين " خاشعا أبصارهم " بالألف على التوحيد اعتبارا بقراءة عبد الله ، وذلك أن ذلك في قراءة عبد الله " خاشعة أبصارهم " ، وألحقوه وهو بلفظ الاسم في التوحيد ، إذ كان صفة بحكم فعل ويفعل في التوحيد إذا تقدم الأسماء ، كما قال الشاعر : وشباب حسن أوجههم * من إياد بن نزار بن معد فوحد حسنا وهو صفة للأوجه ، وهي جمع ؛ وكما قال الآخر : يرمي الفجاج بها الركبان معترضا * أعناق بزلها مرخي لها الجدل فوحد معترضا ، وهي من صفة الأعناق ، والجمع والتأنيث فيه جائزان على ما بينا . وقوله : كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ يقول تعالى ذكره : يخرجون من قبورهم كأنهم في انتشارهم وسعيهم إلى موقف الحساب جراد منتشر . وقوله : مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يقول : مسرعين بنظرهم قبل داعيهم إلى ذلك الموقف .