محمد بن جرير الطبري
54
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
وقد بينا معنى الإهطاع بشواهده المغنية عن الإعادة ، ونذكر بعض ما لم نذكره فيما مضى من الرواية . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا جرير ، عن مغيرة ، عن عثمان بن يسار ، عن تميم بن حذلم قوله : مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ قال : هو التحميج . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سفيان ، عن سفيان ، عن أبيه أبو سفيان ، عن أبي الضحى مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ قال : التحميج . حدثنا ابن حميد قال : ثنا مهران ، عن سفيان مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ قال : هكذا أبصارهم شاخصة إلى السماء . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ أي عامدين إلى الداع . حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثنا معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قو له : مُهْطِعِينَ يقول : ناظرين . وقوله : يَقُولُ الْكافِرُونَ هذا يَوْمٌ عَسِرٌ يقول تعالى ذكره : يقول الكافرون بالله يوم يدع الداعي إلى شيء نكر : هذا يوم عسر . وإنما وصفوه بالعسر لشدة أهواله وبلباله . القول في تأويل قوله تعالى : كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا وَقالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ . . . فَانْتَصِرْ وهذا وعيد من الله تعالى ذكره ، وتهديد للمشركين من أهل مكة وسائر من أرسل إليه رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم على تكذيبهم إياه ، " وتقدم منه إليهم إن هم لم ينيبوا من تكذيبهم إياه ، أنه محل بهم ما أحل بالأمم الذين قص قصصهم في هذه السورة من الهلاك والعذاب ، ومنج نبيه محمدا والمؤمنين به ، كما نجى من قبله الرسل وأتباعهم من نقمه التي أحلها بأممهم ، فقال جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : كذبت يا محمد قبل هؤلاء الذين كذبوك من قومك ، الذين إذا رأوا آية أعرضوا وقالوا سحر مستمر ، قوم نوح ، فكذبوا عبدنا نوحا إذ أرسلناه إليهم ، كما كذبتك قريش إذ أتيتهم بالحق من عندنا وقالوا : هو مجنون وازدجر ، وهو افتعل من زجرت ، وكذا تفعل العرب بالحرف إذا كان أوله زايا صيروا تاء الافتعال منه دالا من ذلك قولهم : ازدجر من زجرت ، وازلف من زلفت ، وازديد من زدت . واختلف أهل التأويل في المعني الذي زجروه ، فقال بعضهم : كان زجرهم إياه أن قالوا : استطير جنونا . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا يحيى ، عن سفيان ، عن منصور ، عن مجاهد وَقالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ قال : استطير جنونا . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن منصور ، عن مجاهد ، مثله . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : وَازْدُجِرَ قال : استطير جنونا . حدثنا ابن المثنى ، قال : ثنا محمد بن جعفر ، قال : ثنا شعبة ، عن الحكم ، عن مجاهد في هذه الآية وَقالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ قال : استعر جنونا . حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي ، قال : ثنا زيد بن الحباب ، قال : وأخبرني شعبة بن الحجاج ، عن الحكم ، عن مجاهد ، مثله . وقال آخرون : بل كان زجرهم إياه ، وعيدهم له بالشتم والرجم بالقول القبيح . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : وَقالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ قال : اتهموه وزجروه وأوعدوه لئن لم يفعل ليكونن من المرجومين ، وقرأ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ وقوله : فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ يقول تعالى ذكره : فدعا نوح ربه : إن قومي قد غلبوني ، تمردا وعتوا ، ولا طاقة لي بهم ، فانتصر منهم بعقاب من عندك على كفرهم بك . القول في تأويل قوله تعالى : فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ . . . الْأَرْضَ . . . قَدْ قُدِرَ يقول تعالى ذكره : فَفَتَحْنا لما دعانا نوح مستغيثا بنا على قومه أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ وهو المندفق ، كما قال امرؤ القيس في صفة غيث : راح تمريه الصبا ثم انتحى * فيه شؤبوب جنوب منهمر وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ،