محمد بن جرير الطبري
52
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
يا أبا بكر " فقال المشركون : سحر القمر حتى انشق . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن أبي سنان ، قال : قدم رجل المدائن فقام فقال : إن الله تبارك وتعالى يقول : اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ وإن القمر قد انشق ، وقد آذنت الدنيا بفراق ، اليوم المضمار ، وغدا السباق ، والسابق . من سبق إلى الجنة ، والغاية النار . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ يحدث الله في خلقه ما يشاء . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، عن أنس ، قال : سأل أهل مكة النبي صلى الله عليه وسلم آية ، فانشق القمر بمكة مرتين ، فقال : اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ . حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : وَانْشَقَّ الْقَمَرُ قد مضى ، كان الشق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ، فأعرض عنه المشركون ، وقالوا : سحر مستمر . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن عمرو ، عن مغيرة ، عن إبراهيم ، قال : مضى انشقاق القمر بمكة . وقوله : وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا يقول تعالى ذكره . وإن ير المشركون علامة تدلهم على حقيقة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، ودلالة تدلهم على صدقة فيما جاءهم به عن ربهم ، يعرضوا عنها ، فيولوا مكذبين بها منكرين أن يكون حقا يقينا ، ويقولوا تكذيبا منهم بها ، وإنكارا لها أن تكون حقا : هذا سحر سحرنا به محمد حين خيل إلينا أنا نرى القمر منفلقا باثنين بسحره ، وهو سحر مستمر ، يعني يقول : سحر مستمر ذاهب ، من قولهم : قد مر هذا السحر إذا ذهب . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ قال : ذاهب . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ قال : إذا رأى أهل الضلالة آية من آيات الله قالوا : إنما هذا عمل السحر ، يوشك هذا أن يستمر ويذهب . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ يقول : ذاهب . حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : ثنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ كما يقول أهل الشرك إذا كسف القمر يقولون : هذا عمل السحرة . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، قوله : سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ قال : حين انشق القمر بفلقتين : فلقة من وراء الجبل ، وذهبت فلقة أخرى ، فقال المشركون حين رأوا ذلك : سحر مستمر . وكان بعض أهل المعرفة بكلام العرب من أهل البصرة يوجه قوله : مُسْتَمِرٌّ إلى أنه مستفعل من الإمرار من قولهم : قد مر الجبل : إذا صلب وقوي واشتد وأمررته أنا : إذا فتلته فتلا شديدا ، ويقول : معنى قوله : وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ سحر شديد . القول في تأويل قوله تعالى : وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ . . . جاءَهُمْ . . . فَما تُغْنِ النُّذُرُ يقول تعالى ذكره : وكذب هؤلاء المشركون من قريش بآيات الله بعد ما أتتهم حقيقتها ، وعاينوا الدلالة على صحتها برؤيتهم القمر منفلقا فلقتين وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ يقول : وآثروا اتباع ما دعتهم إليه أهواء أنفسهم من تكذيب ذلك على التصديق بما قد أيقنوا صحته من نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، وحقيقة ما جاءهم به من ربهم . وقوله : وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ يقول تعالى ذكره : وكل أمر من خير أو شر مستقر قراره ، ومتناه نهايته ، فالخير مستقر بأهله في الجنة ، والشر مستقر بأهله في النار . كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ أي بأهل الخير الخير ، وبأهل الشر الشر . وقوله : وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ يقول تعالى ذكره : ولقد جاء هؤلاء المشركين من قريش الذين كذبوا بآيات الله ، واتبعوا