محمد بن جرير الطبري
37
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
في قوله : مِنْ سُلْطانٍ إلى آخر الآية . وقوله : إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ يقول تعالى ذكره : ما يتبع هؤلاء المشركون في هذه الأسماء التي سموا بها آلهتهم إلا الظن بأن ما يقولون حق لا اليقين وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ يقول : وهوى أنفسهم ، لأنهم لم يأخذوا ذلك عن وحي جاءهم من الله ، ولا عن رسول الله أخبرهم به ، وإنما اختراق من قبل أنفسهم ، أو أخذوه عن آبائهم الذين كانوا من الكفر بالله على مثل ما هم عليه منه . وقوله : وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى يقول : ولقد جاء هؤلاء المشركين بالله من ربهم البيان مما هم منه على غير يقين ، وذلك تسميتهم اللات والعزى ومناة الثالثة بهذه الأسماء وعبادتهم إياها . يقول : لقد جاءهم من ربهم الهدى في ذلك ، والبيان بالوحي الذي أوحيناه إلى محمد صلى الله عليه وسلم أن عبادتها لا تنبغي ، وأنه لا تصلح العبادة إلا لله الواحد القهار . وقال ابن زيد في ذلك ما : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى فما انتفعوا به . القول في تأويل قوله تعالى : أَمْ لِلْإِنْسانِ ما تَمَنَّى . . . وَالْأُولى . . . يَرْضى يقول تعالى ذكره : أم اشتهى محمد صلى الله عليه وسلم ما أعطاه الله من هذه الكرامة التي كرمه بها من النبوة والرسالة ، وأنزل الوحي عليه ، وتمنى ذلك ، فأعطاه إياه ربه ، فلله ما في الدار الآخرة والأولى ، وهي الدنيا ، يعطي من شاء من خلقه ما شاء ، ويحرم من شاء منهم ما شاء . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : أَمْ لِلْإِنْسانِ ما تَمَنَّى قال : وإن كان محمد تمنى هذا ، فذلك له . وقوله : وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً يقول تعالى ذكره : وكم من ملك في السماوات لا تغني : كثير من ملائكة الله ، لا تنفع شفاعتهم عند الله لمن شفعوا له شيئا ، إلا أن يشفعوا له من بعد أن يأذن الله لهم بالشفاعة لمن يشاء منهم أن يشفعوا له ويرضى ، يقول : ومن بعد أن يرضى لملائكته الذين يشفعون له أن يشفعوا له ، فتنفعه حينئذ شفاعتهم ، وإنما هذا توبيخ من الله تعالى ذكره لعبدة الأوثان والملأ من قريش وغيرهم الذين كانوا يقولون ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى فقال الله جل ذكره لهم : ما تنفع شفاعة ملائكتي الذين هم عندي لمن شفعوا له ، إلا من بعد إذني لهم بالشفاعة له ورضاي فكيف بشفاعة من دونهم ، فأعلمهم أن شفاعة ما يعبدون من دونه غير نافعتهم . القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ . . . إِلَّا الظَّنَّ . . . الْحَياةَ الدُّنْيا يقول تعالى ذكره : إن الذين لا يصدقون بالبعث في الدار الآخرة ، وذلك يوم القيامة ليسمون ملائكة الله تسمية الإناث ، وذلك أنهم كانوا يقولون : هم بنات الله . وبنحو الذي قلنا في قوله : تَسْمِيَةَ الْأُنْثى قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله : تَسْمِيَةَ الْأُنْثى قال : الإناث . وقوله : وَما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ يقول تعالى : وما لهم يقولون من تسميتهم الملائكة تسمية الأنثى من حقيقة علم إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ يقول : ما يتبعون في ذلك إلا الظن ، يعني أنهم إنما يقولون ذلك ظنا بغير علم . وقوله : وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً يقول : وإن الظن لا ينفع من الحق شيئا فيقوم مقامه . وقوله : فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا يقول جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : فدع من أدبر يا محمد عن ذكر الله ولم يؤمن به فيوحده . وقوله : وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا يقول : ولم يطلب ما عند الله في الدار الآخرة ، ولكنه طلب زينة الحياة الدنيا ، والتمس البقاء فيها . القول