محمد بن جرير الطبري

38

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

في تأويل قوله تعالى : ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ . . . بِمَنِ اهْتَدى يقول تعالى ذكره : هذا الذي يقوله هؤلاء الذين لا يؤمنون بالآخرة في الملائكة من تسميتهم إياها تسمية الأنثى مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ يقول : ليس لهم علم إلا هذا الكفر بالله ، والشرك به على وجه الظن بغير يقين علم . وكان ابن زيد يقول في ذلك ، ما : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ قال : يقول ليس لهم علم إلا الذي هم فيه من الكفر برسول الله ، ومكايدتهم لما جاء من عند الله ، قال : وهؤلاء أهل الشرك . وقوله : إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى يقول تعالى ذكره : إن ربك يا محمد هو أعلم بمن جار عن طريقه في سابق علمه ، فلا يؤمن ، وذلك الطريق هو الإسلام . وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى يقول : وربك أعلم بمن أصاب طريقه فسلكه في سابق علمه ، وذلك الطريق أيضا الإسلام . القول في تأويل قوله تعالى : وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ . . . كَبائِرَ . . . إِلَّا اللَّمَمَ يقول تعالى ذكره : وَلِلَّهِ ملك ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ من شيء ، وهو يضل من يشاء ، وهو أعلم بهم لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا يقول : ليجزي الذين عصوه من خلقه ، فأساءوا بمعصيتهم إياه ، فيثيبهم بها النار وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى يقول : وليجزي الذين أطاعوه فأحسنوا بطاعتهم إياه في الدنيا بالحسنى وهي الجنة ، فيثيبهم بها . وقيل : عني بذلك أهل الشرك والإيمان . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : أخبرني عبد الله بن عياش ، قال : قال زيد بن أسلم في قول الله : لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا المؤمنون . وقوله : الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ يقول : الذين يبتعدون عن كبائر الإثم التي نهى الله عنها وحرمها عليهم فلا يقربونها ، وذلك الشرك بالله ، وما قد بيناه في قوله : إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وقوله : وَالْفَواحِشَ وهي الزنا وما أشبهه ، مما أوجب الله فيه حدا . وقوله : إِلَّا اللَّمَمَ اختلف أهل التأويل في معنى " إلا " في هذا الموضع ، فقال بعضهم : هي بمعنى الاستثناء المنقطع ، وقالوا : معنى الكلام : الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش ، إلا اللمم الذي ألموا به من الإثم والفواحش في الجاهلية قبل الإسلام ، فإن الله قد عفا لهم عنه ، فلا يؤاخذهم به . ذكر من قال ذلك : حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ يقول : إلا ما قد سلف . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ قال : المشركون إنما كانوا بالأمس يعملون معنا ، فانزل الله عز وجل إِلَّا اللَّمَمَ ما كان منهم في الجاهلية . قال : واللمم : الذي ألموا به من تلك الكبائر والفواحش في الجاهلية قبل الإسلام ، وغفرها لهم حين أسلموا . حدثني يعقوب ، قال : ثنا ابن علية ، عن ابن عياش ، عن ابن عون ، عن محمد ، قال : سأل رجل زيد بن ثابت ، عن هذه الآية الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ فقال : حرم الله عليك الفواحش ما ظهر منها وما بطن . حدثني يونس بن عبد الأعلى ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : أخبرني عبد الله بن عياش قال : قال زيد بن أسلم في قول الله : الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ قال : كبائر الشرك والفواحش : الزنى ، تركوا ذلك حين دخلوا في الإسلام ، فغفر الله لهم ما كانوا ألموا به وأصابوا من ذلك قبل الإسلام . وكان بعض أهل العلم بكلام العرب ممن يوجه تأويل " إلا " في هذا الموضع إلى هذا الوجه الذي ذكرته عن ابن عباس يقول في تأويل ذلك : لم يؤذن لهم في اللمم ، وليس هو من الفواحش ، ولا من كبائر الإثم ،