محمد بن جرير الطبري

36

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

وإن كان للأخرى وجه معروف . وكان بعض أهل المعرفة بكلام العرب من أهل البصرة يقول : اللات والعزى ومناة الثالثة : أصنام من حجارة كانت في جوف الكعبة يعبدونها . وقوله : أَ لَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى يقول : أتزعمون أن لكم الذكر الذي ترضونه ، ولله الأنثى التي لا ترضونها لأنفسكم تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى يقول جل ثناؤه : قسمتكم هذه قسمة جائرة غير مستوية ، ناقصة غير تامة ، لأنكم جعلتم لربكم من الولد ما تكرهون لأنفسكم ، وآثرتم أنفسكم بما ترضونه ، والعرب تقول : ضزته حقه بكسر الضاد ، وضزته بضمها فأنا أضيزه وأضوزه ، وذلك إذا نقصته حقه ومنعته وحدثت عن معمر بن المثنى قال : أنشدني الأخفش : فإن تنأ عنا ننتقصك وإن تغب * فسهمك مضئوز وأنفك راغم ومن العرب من يقول : ضيزى بفتح الضاد وترك الهمز فيها ؛ ومنهم من يقول : ضأزى بالفتح والهمز ، وضؤزى بالضم والهمز ، ولم يقرأ أحد بشيء من هذه اللغات . وأما الضيزى بكسر الضاد فإنها فعلى بضم الفاء ، وإنما كسرت الضاد منها كما كسرت من قولهم : قوم بيض وعين ، وهي " فعل " لأن واحدها : بيضاء وعيناء ليؤلفوا بين الجمع والاثنين والواحد ، وكذلك كرهوا ضم الضاد من ضيزى ، فتقول : ضوزى ، مخافة أن تصير بالواو وهي من الياء . وقال الفراء : إنما قضيت على أولها بالضم ، لأن النعوت للمؤنث تأتي إما بفتح ، وإما بضم ؛ فالمفتوح : سكرى وعطشى ؛ والمضموم : الأنثى والحبلى ؛ فإذا كان اسما ليس بنعت كسر أوله ، كقوله : وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ كسر أولها ، لأنها اسم ليس بنعت ، وكذلك الشعرى كسر أولها ، لأنها اسم ليس بنعت . وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله : قِسْمَةٌ ضِيزى قال أهل التأويل ، وإن اختلفت ألفاظهم بالعبارة عنها ، فقال بعضهم : قسمة عوجاء . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى قال : عوجاء . وقال آخرون : قسمة جائرة . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى يقول : قسمة جائرة . حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة قِسْمَةٌ ضِيزى قال : قسمة جائرة . حدثنا محمد بن حفص أبو عبيد الوصائي ، قال : ثنا ابن حميد ، قال : ثنا ابن لهيعة ، عن ابن عمرة ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، في قوله : تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى قال : تلك إذا قسمة جائرة لا حق فيها . وقال آخرون : قسمة منقوصة . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى قال : منقوصة . وقال آخرون : قسمة مخالفة . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى قال : جعلوا لله تبارك وتعالى بنات ، وجعلوا الملائكة لله بنات ، وعبدوهم ، وقرأ أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَناتٍ وَأَصْفاكُمْ بِالْبَنِينَ وَإِذا بُشِّرَ الآية ، وقرأ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ إلى آخر الآية ، وقال : دعوا لله ولدا ، كما دعت اليهود والنصارى ، وقرأ كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قال : والضيزى في كلام العرب : المخالفة ، وقرأ إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ . القول في تأويل قوله تعالى : إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ . . . رَبِّهِمُ الْهُدى يقول تعالى ذكره : ما هذه الأسماء التي سميتموها وهي اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ، إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم أيها المشركون بالله ، وآباؤكم من قبلكم ، ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها ، يعني بهذه الأسماء ، يقول : لم يبح الله ذلك لكم ، ولا أذن لكم به . كما : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ،