محمد بن جرير الطبري

142

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

ألا فعملت النصارى ثم قال : من يعمل من صلاة العصر إلى مغارب الشمس على قيراطين قيراطين ، ألا فعملتم " . حدثني علي بن سهل ، قال : ثنا مؤمل ، قال : ثنا سفيان ، عن عبد الله بن دينار ، أنه سمع ابن عمر يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " مثل هذه الأمة " ، أو قال " أمتي ومثل اليهود والنصارى ، كمثل رجل قال : من يعمل لي من غدوة إلى نصف النهار على قيراط " قالت اليهود : نحن ، فعملوا ؛ قال : فمن يعمل من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط ؟ قالت النصارى : نحن ، فعملوا ، وأنتم المسلمون تعملون من صلاة العصر إلى الليل على قيراطين " ، فغضبت اليهود والنصارى وقالوا : نحن أكثر عملا ، وأقل أجرأ ، قال " هل ظلمتكم من أجوركم شيئا ؟ قالوا : لا ، قال : " فذاك فضلي أوتيه من أشاء " . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : أخبرني الليث وابن لهيعة ، عن سليمان بن عبد الرحمن ، عن القاسم بن عبد الرحمن ، عن أبي أمامة الباهلي ، أنه قال : شهدت خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حجة الوداع ، فقال قولا كثيرا حسنا جميلا ، وكان فيها : " ومن أسلم من أهل الكتابين فله أجره مرتين ، وله مثل الذي لنا ، وعليه مثل الذي علينا ومن أسلم من المشركين فله أجره ، وله مثل الذي لنا ، وعليه مثل الذي علينا " . وقوله : وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ اختلف أهل التأويل في الذي عنى به النور في هذا الموضع ، فقال بعضهم : عنى به القرآن . ذكر من قال ذلك : حدثنا أبو عمار المروزي ، قال : ثنا الفضل بن موسى ، عن سفيان ، عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ قال : الفرقان واتباعهم النبي صلى الله عليه وسلم . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ قال : الفرقان ، واتباعهم النبي صلى الله عليه وسلم . حدثنا أبو كريب ، وأبو هشام ، قالا : ثنا يحيى بن يمان ، عن سفيان ، عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن حبير ، عن ابن عباس وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ قال : القرآن . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن عطاء ، عن سعيد ، مثله . وقال آخرون : عني بالنور في هذا الموضع : الهدى . ذكر من قال ذلك : محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله : تَمْشُونَ بِهِ قال : هدى . وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال : إن الله تعالى ذكره وعد هؤلاء القوم أن يجعل لهم نورا يمشون به ، والقرآن ، مع اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم نور لمن آمن بهما وصدقهما وهدى ، لأن من آمن بذلك ، فقد اهتدى . وقوله : وَيَغْفِرْ لَكُمْ يقول : ويصفح لكم عن ذنوبكم فيسترها عليكم وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ يقول تعالى ذكره : والله ذو مغفرة ورحمة . القول في تأويل قوله تعالى : لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ . . . وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ . . . ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ يقول تعالى ذكره للمؤمنين به وبمحمد صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب ، يفعل بكم ربكم هذا لكي يعلم أهل الكتاب أنهم لا يقدرون على شيء من فضل الله الذي آتاكم وخصكم به ، لأنهم كانوا يرون أن الله قد فضلهم على جميع الخلق ، فأعلمهم الله جل ثناؤه أنه قد آتى أمة محمد صلى الله عليه وسلم من الفضل والكرامة ، ما لم يؤتهم ، وأن أهل الكتاب حسدوا المؤمنين لما نزل قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ فقال الله عز وجل : فعلت ذلك ليعلم أهل الكتاب أنهم لا يقدرون على شيء من فضل الله . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا