محمد بن جرير الطبري
139
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
وازت الملوك وقاتلتهم على دين الله ودين عيسى ابن مريم صلوات الله عليهم ، فقتلتهم الملوك ؛ وفرقة لم تكن لهم طاقة بموازاة الملوك ، فأقاموا بين ظهراني قومهم يدعونهم إلى دين الله ودين عيسى ابن مريم صلوات الله عليه ، فقتلهم الملوك ، ونشرتهم بالمناشير ؛ وفرقة لم تكن لهم طاقة بموازاة الملوك ، ولا بالمقام بين ظهراني قومهم يدعونهم إلى دين الله ودين عيسى صلوات الله عليه ، فلحقوا بالبراري والجبال ، فترهبوا فيها " فهو قول الله عز وجل وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ قال : " ما فعلوها إلا ابتغاء رضوان الله " فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها قال : " ما رعاها الذين من بعدهم حق رعايتها " فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ قال : " وهم الذين آمنوا بي ، وصدقوني " . قال وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ قال : " وفهم الذين جحدوني وكذبوني " . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها قال الآخرون ممن تعبد من أهل الشرك ، وفني من فني منهم ، يقولون : نتعبد كما تعبد فلان ، ونسيح كما ساح فلان ، وهم في شركهم لا علم لهم بإيمان الذين اقتدوا بهم . ذكر من قال : الذين لم يرعوها حق رعايتها : الذين ابتدعوها . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبى ، قال ثني عمى ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله : وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً إلى قوله : حَقَّ رِعايَتِها يقول : ما أطاعوني فيها ، وتكلموا فيها بمعصية الله ، وذلك أن الله عز وجل كتب عليهم القتال قبل أن يبعث محمدا صلى الله عليه وسلم ، فلما استخرج أهل الإيمان ، ولم يبق منهم إلا قليل ، وكثر أهل الشرك وذهب الرسل وقهروا ، اعتزلوا في الغيران ، فلم يزل بهم ذلك حتى كفرت طائفة منهم ، وتركوا أمر الله عز وجل ودينه ، وأخذوا بالبدعة وبالنصرانية وباليهودية ، فلم يرعوها حق رعايتها وثبتت طائفة على دين عيسى ابن مريم صلوات الله عليه ، حين جاءهم بالبينات وبعث الله عز وجل محمدا رسولا وهم كذلك فذلك قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ إلى وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : ثنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ كان الله عز وجل كتب عليهم القتال قيل أن يبعث محمد صلى الله عليه وسلم ؛ فلما استخرج أهل الإيمان ، ولم يبق منهم إلا القليل ، وكثر أهل الشرك ، وانقطعت الرسل ، اعتزلوا الناس ، فصاروا في الغيران ، فلم يزالوا كذلك حتى غيرت طائفة منهم ، فتركوا دين الله وامره وعهده الذي عهده إليهم ، وأخذوا بالبدع ، فابتدعدوا النصرانية واليهودية ، فقال الله عز وجل لهم : فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها وثبتت طائفة منهم على دين عيسى صلوات الله عليه ، حتى بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم ، فامنوا به . حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال ثنا هشيم ، قال : أخبرنا زكريا بن أبي مريم ، قال : سمعت أبا أمامة الباهلي يقول : إن الله كتب عليكم صيام رمضان ، ولم يكتب عليكم قيامه ، وإنما القيام شيء ابتدعتموه ، وإن قوما ابتدعوا بدعة لم يكتبها الله عليكم ، ابتعوا بها رضوان الله ، فلم يرعوها حق رعايتها ، فعابهم الله بتركها ، فقال : وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها وأولى الأقوال في ذلك بالصحة أن يقال : إن الذين وصفهم الله بأنهم لم يرعوا الرهبانية حق رعايتها ، بعض الطوائف التي ابتدعتها ، وذلك أن الله جل ثناؤه أخبر أنه آتى الذين آمنوا منهم أجرهم ؛ قال : فدل بذلك على أن منهم من قد رعاها حق رعايتها ، فلو لم يكن منهم من كان كذلك لم يكن مستحق الأجر الذي قال جل ثناؤه : فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ إلا أن الذين لم يرعوها حق رعايتها ممكن أن يكون كانوا على عهد الذين ابتدعوها ، وممكن أن يكونوا كانوا بعدهم ، لأن الذين هم من أبنائهم إذا لم يكونوا رعوها ، فجائز في كلام العرب أن يقال : لم يرعها القوم على العموم . والمراد منهم البعض