محمد بن جرير الطبري
119
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
والملائكة والأنبياء والرسل من الملائكة ، والرسل من بني آدم ، فهؤلاء ينزلون به مطهرون ، وهؤلاء يتلونه على الناس مطهرون ، وقرأ قول الله بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرامٍ بَرَرَةٍ قال : بأيدي الملائكة الذين يحصون على الناس أعمالهم . وقال آخرون : عني بذلك : أنه لا يمسه عند الله إلا المطهرون . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ذاكم عند رب العالمين ، فأما عندكم فيمسه المشرك النجس ، والمنافق الرجس . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، قوله : لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ قال لا يمسه عند الله إلا المطهرون ، فأما في الدنيا فإنه يمسه المجوسي النجس ، والمنافق الرجس . وقال في حرف ابن مسعود " ما يمسه إلا المطهرون " . والصواب من القول من ذلك عندنا ، أن الله جل ثناؤه ، أخبر أن لا يمس الكتاب المكنون إلا المطهرون فعم بخبره المطهرين ، ولم يخصص بعضا دون بعض ؛ فالملائكة من المطهرين ، والرسل والأنبياء من المطهرين وكل من كان مطهرا من الذنوب ، فهو ممن استثني ، وعني بقوله : إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ . وقوله : تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ يقول : هذا القرآن تنزيل من رب العالمين ، نزله من الكتاب المكنون . كما : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا يحيى بن واضح ، قال : ثنا عبيد الله العتكي ، عن جابر بن زيد وأبي نهيك ، في قوله : تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ قال : القرآن من ذلك الكتاب . القول في تأويل قوله تعالى : أَ فَبِهذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ . . . إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ . . . لا تُبْصِرُونَ يقول تعالى ذكره : أفبهذا القرآن الذي أنبأتكم خبره ، وقصصت عليكم أمره أيها الناس أنتم تلينون القول للمكذبين به ، ممالأة منكم لهم على التكذيب به والكفر . واختلف أهل التأويل في تأويله ، فقال بعضهم في ذلك نحو قولنا فيه . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله : أَ فَبِهذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ قال : تريدون أن تمالئوهم فيه ، وتركنوا إليهم . وقال آخرون : بل معناه : أفبهذا الحديث أنتم مكذبون . ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن سعد ، قال : ثن أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي عن أبيه أب جد سعد عن ابن عباس قوله : أَ فَبِهذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ يقول : مكذبون غير مصدقين . حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : ثنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول ، في قوله : أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ يقول : مكذبون . وقوله : تَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ يقول : وتجعلون شكر الله على رزقه إياكم التكذيب ، وذلك كقول القائل الآخر : جعلت إحساني إليك إساءة منك إلي ، بمعنى : جعلت : شكر إحساني ، أو ثواب إحساني إليك إساءة منك إلي . وقد ذكر عن الهيثم بن عدي : أن من لغة أزد شنوءة : ما رزق فلان : بمعنى ما شكر . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل على اختلاف فيه منهم . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا يحيى ، قال : ثنا سفيان ، قال : ثني عبد الأعلى الثعلبي ، عن أبي عبد الرحمن السلمي ، عن علي رضي الله عنه وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ قال : شكركم . حدثنا ابن المثنى ، قال : ثنا عبيد الله بن موسى ، عن إسرائيل ، عن عبد الأعلى الثعلبي ، عن أبي عبد الرحمن السلمي ، عن علي رفعه وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ قال : " وشكركم تقولون مطرنا بنوء كذا وكذا ، وبنجم كذا وكذا " . حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : ثنا يحيى بن أبي بكر ، عن إسرائيل ، عن عبد الأعلى ، عن أبي عبد الرحمن ، عن علي ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ قال : " شكركم أنكم تكذبون " ، قال : ويقولون مطرنا بنوء كذا وكذا " . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا محمد بن جعفر ، قال : ثنا شعبة ، عن أبي بشر عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال :