محمد بن جرير الطبري
61
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
متسلحين أسوقهم ، لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا ، فأتيت بهم النبي صلى الله عليه وسلم ، فلم يسلب ولم يقتل وعفا ؛ قال : فشددنا على من في أيدي المشركين منا ، فما تركنا في أيديهم منا رجلا إلا استنقذناه ؛ قال : وغلبنا على من في أيدينا منهم ؛ ثم إن قريشا بعثوا سهيل بن عمرو ، وحويطبا ، فولوا صلحهم ، وبعث النبي صلى الله عليه وسلم عليا في صلحه ؛ فكتب علي بينهم : بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا ما صالح عليه محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا ، صالحهم على أنه لا إهلال ولا امتلال ، وعلى أنه من قدم مكة من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم حاجا أو معتمرا ، أو يبتغي من فضل الله ، فهو آمن على دمه وماله ؛ ومن قدم المدينة من قريش مجتازا إلى مصر أو إلى الشام يبتغي من فضل الله ، فهو آمن على دمه وماله ؛ وعلى أنه من جاء محمدا صلى الله عليه وسلم من قريش فهو إليهم رد ، ومن جاءهم من أصحاب محمد فهو لهم . فاشتد ذلك على المسلمين ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من جاءهم منا فأبعده الله ، ومن جاءنا منهم فردناه إليهم فعلم الله الإسلام من نفسه ، جعل له مخرجا " . فصالحوه على أنه يعتمر في عام قابل في هذا الشهر ، لا يدخل علينا بخيل ولا سلاح ، إلا ما يحمل المسافر في قرابه ، يثوي فينا ثلاث ليال ، وعلى أن هذا الهدي حيثما حبسناه محله لا يقدمه علينا . فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : " نحن نسوقه وأنتم تردون وجوهه " ، فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الهدي وسار الناس محمد بن عمارة ، قال : ثنا عبيد الله بن موسى ، قال : أخبرنا موسى ، قال : أخبرني أبو مرة مولى أم هانئ ، عن ابن عمر ، قال : وكان الهدي دون الجبال التي تطلع على وادي الثنية عرض له المشركون ، فردوا وجوهه ؛ قال : فنحر النبي صلى الله عليه وسلم الهدي حين حبسوه ، وهي الحديبية ، وحلق ، وتأسى حين به أناس حين رأوه حلق ، ويربص آخرون ، فقالوا : لعلنا نطوف بالبيت ، فقال رسول الله : " ورحم الله المحلقين " ، قيل : والمقصرين ، قال " رحم الله المحلقين " ، قيل : والمقصرين ، قال : " والمقصرين " حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا الحكم بن بشير ، قال : ثنا عمر بن ذر الهمداني ، عن مجاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر ثلاث عمر ، كلها في ذي القعدة ، يرجع في كلها إلى المدينة ، منها العمرة التي صد فيها الهدي ، فنحره في محله ، عند الشجرة ، وشارطوه أن يأتي في العام المقبل معتمرا ، فيدخل مكة ، فيطوف بالبيت ثلاثة أيام ، ثم يخرج ، ولا يحبسون عنه أحدا قدم معه ، ولا يخرج من مكة بأحد كان فيها قبل قدومه من المسلمين ؛ فلما كان من العام المقبل دخل مكة ، فأقام بها ثلاثا يطوف بالبيت ؛ فلما كان اليوم الثالث قريبا من الظهر ، أرسلوا إليه : إن قومك قد آذاهم مقامك ، فنودي في الناس : لا تغرب الشمس وفيها أحد من المسلمين قدم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثنا بن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن الزهري ، عن عروة بن الزبير ، عن المسور بن مخرمة ، قال : خرج النبي صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية في بضع عشرة مئة من أصحابه النبي صلى الله عليه وسلم ، حتى إذا كانوا بذي الحليفة قلد الهدى وأشعره ، وأحرم بالعمرة ، وبعث بين يديه عينا له من خزاعة يخبره عن قريش ، وسار النبي صلى الله عليه وسلم ، حتى إذا كان بغدير الأشطاط قريبا من قعيقعان ، أتاه عينه الخزاعي ، فقال : إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي قد جمعوا لك الأحابيش ، وجمعوا لك جموعا ، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وأشيروا علي ، أترون أن نميل على ذراري هؤلاء الذين أعانوهم فيصيبهم ، فإن قعدوا قعدوا موتورين محزونين وإن لحوا تكن عنقا قطعها الله ؟ أم ترون أنا نؤم البيت ، فمن صدنا عنه قاتلناه ؟ " فقام أبو بكر رضي الله عنه فقال : يا رسول الله : إنا لم نأت لقتال أحد ، ولكن من حال بيننا وبين البيت قاتلناه ؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " فروحوا إذا " ؛ وكان أبو هريرة يقول : ما رأيت