محمد بن جرير الطبري
62
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
أحدا قط كان أكثر مشاورة لأصحابه النبي صلى الله عليه وسلم من النبي صلى الله عليه وسلم ، فراحوا حتى إذا كانوا ببعض الطريق ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : " إن خالد بن الوليد بالغميم في خيل لقريش طليعة ، فخذوا ذات اليمين " ، فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هو بفترة الجيش ، فانطلق يركض نذيرا لقريش ، وسار النبي صلى الله عليه وسلم ، حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها ، بركت به راحلته ؛ فقال الناس : حل حل ، فقال : ما حل ؟ فقالوا : خلات القصواء ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " ما خلات وما ذاك لها بخلق ، ولكنها حبسها حابس الفيل " ، ثم قال : " والذي نفسي بيده لا يسألني خطة يعظمون بها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها " ، ثم زجرت فوثبت فعدل عنهم حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء ، إنما يتبرضه الناس تبرضا ، فلم يلبث الناس أن نزحوه ، فشكى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العطش ، فنزع سهما من كنانته ، ثم أمرهم أن يجعلوه فيه ، فوالله ما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه ، فبينما هم كذلك جاء بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من خزاعة ، وكانوا عيبة نصح رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل تهامة ، فقال : إني تركت كعب بن لؤي ، وعامر بن لؤي ، قد نزلوا أعداد مياه الحديبية معهم العوذ المطافيل ، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " إنا لم نأت لقتال أحد ، ولكنا جئنا معتمرين ، وإن قريشا قد نهكتهم الحرب ، وأضرت بهم ، فإن شاءوا ما دناهم مدة ، ويخلوا بيني وبين الناس ، فإن أظهر فإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا ، وإلا فقد جموا وان هم أبو فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي ، أو لينفذن الله أمره فقال بديل : سنبلغهم ما تقول ، فانطلق حتى أتى قريشا ، فقال : إنا جئناكم من عند هذا الرجل ، وسمعناه يقول قولا فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا ؛ قال سفهاؤهم : لا حاجة لنا في أن تحدثنا عنه بشيء ، وقال ذوو الرأي منهم ؛ هات ما سمعته ؛ يقول : قال سمعته يقول كذا وكذا ، فحدثهم بما قال النبي صلى الله عليه وسلم ، فقام عروة بن مسعود الثقفي ، فقال : أي قوم ، ألستم بالولد ؟ قالوا : بلى ؛ قال : أو لست بالوالد ؟ قالوا : بلى ، قال : فهل أنتم تتهموني ؟ قالوا : لا ؛ قال : ألستم تعلمون أني استنفرت أهل عكاظ ، فلما بلحوا علي جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني ؟ قالوا : بلى ؛ قال : فإن هذا الرجل قدعرض عليكم خطة رشد فاقبلوها ، ودعوني آته ؛ فقالوا : ائته ، فأتاه ، فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم نحوا من مقالته لبديل ؛ فقال عروة عند ذلك : أي محمد ، أرأيت إن استأصلت قومك ، فهل سمعت بأحد من العرب اجتاح أصله قبلك وإن تكن الأخرى فوالله إني لأرى وجوها وأوباشا من الناس خليقا أن يفروا ويدعوك ، فقال أبو بكر : أمصص بظر اللات ، واللات : طاغية ثقيف الذي كانوا يعبدون ، أنحن نفر وندعه ؟ فقال : من هذا ؟ فقالوا : أبو بكر ، فقال : أما والذي نفسي بيده لو لا يد كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك ؛ وجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم ، فكلما كلمه أخذ بلحيته ، والمغيرة بن شعبة قائم على رأس النبي ومعه السيف ، وعليه المغفر ؛ فكلما أهوى عروة إلى لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ضرب يده بنصل السيف ، وقال : أخر يدك عن لحيته ، فرفع رأسه فقال : من هذا ؟ قالوا : المغيرة بن شعبة ، قال : أي غدر أو لست أسعى في غدرتك . وكان المغيرة بن شعبة صحب قوما في الجاهلية ، فقتلهم وأخذ أموالهم ، ثم جاء فأسلم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم " أما الإسلام فقد قبلناه ، وأما المال فإنه مال غدر لا حاجة لنا فيه " . وإن عروة جعل يرمق أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بعينه ، فوالله إن تنخم النبي صلى الله عليه وسلم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم ، فدلك بها وجهه وجلده ، وإذا أمرهم ابتدروا أمره ، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه ، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده ، وما يحدون النظر إليه تعظيما له ، فرجع عروة إلى أصحابه عروة ، فقال أي قوم ، والله لقد وفدت على الملوك ،