محمد بن جرير الطبري

57

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

عن معمر ، عن قتادة ، في قوله : وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ قال : كف أيدي الناس عن عيالهم بالمدينة . وقال آخرون : بل عني بذلك أيدي قريش إذ حبسهم الله عنهم ، فلم يقدروه على مكروه . والذي قاله قتادة في ذلك عندي أشبه بتأويل الآية ، وذلك أن كف الله أيدي المشركين من أهل مكة عن أهل الحديبية قد ذكره الله بعد هذه الآية في قوله : وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ فعلم بذلك أن الكف الذي ذكره الله تعالى في قوله : وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ غير الكف الذي ذكر الله بعد هذه الآية في قوله : وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ ، وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ . وقوله : وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ يقول : وليكون كفه تعالى ذكره أيديهم عن عيالهم آية وعبرة للمؤمنين به فيعلموا أن الله هو المتولي حياطتهم وكلاءتهم في مشهدهم ومغيبهم ، ويتقوا الله في أنفسهم وأموالهم وأهليهم بالحفظ وحسن الولاية ما كانوا مقيمين على طاعته ، منتهين إلى أمره ونهيه . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ يقول : وذلك آية للمؤمنين ، كف أيدي الناس عن عيالهم وَيَهْدِيَكُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً يقول : ويسددكم أيها المؤمنون طريقا واضحا لا اعوجاج فيه ، فيبينه لكم ، وهو أن تثقوا في أموركم كلها بربكم ، فتتوكلوا عليه في جميعها ، ليحوطكم حياطته إياكم في مسيركم إلى مكة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في أنفسكم وأهليكم وأموالكم ، فقد رأيتم أثر فعل الله بكم ، إذ وثقتم في مسيركم هذا . وقوله : وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أَحاطَ اللَّهُ بِها يقول تعالى ذكره ووعدكم أيها القوم ربكم فتح بلدة أخرى لم تقدروا على فتحها ، قد أحاط الله بها لكم حتى يفتحها لكم . واختلف أهل التأويل في هذه البلدة الأخرى ، والقرية الأخرى التي وعدهم فتحها ، التي أخبرهم أنه محيط بها ، فقال بعضهم : هي أرض فارس والروم ، وما يفتحه المسلمون من البلاد إلى قيام الساعة . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن المثنى ، قال : ثنا عبد الرحمن بن مهدي ، قال : ثنا شعبة ، عن سماك الحنفي ، قال : سمعت ابن عباس يقول : وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها فارس والروم . حدثنا ابن المثنى قال : ثنا محمد بن جعفر ، قال : ثنا شعبة ، عن الحكم ، عن ابن أبي ليلى أنه قال في هذه الآية : وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قال : فارس والروم . حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي ، قال : ثنا زيد بن حباب ، قال : ثنا شعبة بن الحجاج ، عن الحكم ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى مثله . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أَحاطَ اللَّهُ بِها قال : حدث عن الحسن ، قال : هي فارس والروم . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها ما فتحوا حتى اليوم . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا جرير ، عن منصور ، عن الحكم ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، في قوله : وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قال : فارس والروم . وقال آخرون : بل هي خيبر . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثنى أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها الآية ، قال : هي خيبر . حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ ، يقول : أخبرنا عبيد بن سليمان ، قال : سمعت الضحاك ، يقول في قوله : وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أَحاطَ اللَّهُ بِها يعني خيبر ، بعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ ، فقال : " ولا تمثلوا ولا تغلوا ، ولا تقتلوا وليدا " . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أَحاطَ اللَّهُ بِها قال : خيبر ، قال : لم يكونوا يذكرونها ولا يرجونها حتى أخبرهم الله بها . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها يعني أهل خيبر .