محمد بن جرير الطبري

58

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

وقال آخرون : بل هي مكة . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أَحاطَ اللَّهُ بِها كنا نحدث أنها مكة . ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قال : بلغنا أنها مكة . وهذا القول الذي قاله قتادة أشبه بما دل عليه ظاهر التنزيل ، وذلك أن الله أخبر هؤلاء الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة ، أنه محيط بقرية لم يقدروا عليها ، ومعقول أنه لا يقال لقوم لم يقدروا على هذه المدينة ، إلا أن يكونوا قد راموها فتعذرت عليهم ، فأما وهم لم يروموها فتتعذر عليهم فلا يقال : إنهم لم يقدروا عليها . فإذ كان ذلك كذلك ، وكان معلوما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقصد قبل نزول هذه الآية عليه خيبر لحرب ، ولا وجه إليها لقتال أهلها جيشا ولا سرية ، علم أن المعني بقوله : وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها غيرها ، وأنها هي التي قد عالجها ورامها ، فتعذرت فكانت مكة وأهلها كذلك ، وأخبر الله تعالى ذكره نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين أنه أحاط بها وبأهلها ، وأنه فاتحها عليهم ، وكان الله على كل ما يشاء من الأشياء ذا قدرة ، لا يتعذر عليه شيء شاءه . القول في تأويل قوله تعالى : وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ ثُمَّ . . . قَدْ خَلَتْ . . . تَبْدِيلًا يقول تعالى ذكره للمؤمنين به من أهل بيعة الرضوان : وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا بالله أيها المؤمنون بمكة لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ يقول : لانهزموا عنكم ، فولوكم أعجازهم ، وكذلك يفعل المنهزم من قرنه في الحرب ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً يقول : ثم لا يجد هؤلاء الكفار المنهزمون عنكم ، المولوكم الأدبار ، وليا يواليهم على حربكم ، ولا نصيرا ينصرهم عليكم ، لأن الله تعالى ذكره معكم ، ولن يغلب حزب الله ناصره . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة قوله : وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ يعني كفار قريش ، قال الله : ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً ينصرهم من الله . وقوله : سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ يقول تعالى ذكره : لو قاتلكم هؤلاء الكفار من قريش ، لخذلهم الله حتى يهزمهم عنكم خذلانه أمثالهم من أهل الكفر به ، الذين قاتلوا أولياءه من الأمم الذين مضوا قبلهم . أخرج قوله : سُنَّةَ اللَّهِ نصبا من غير لفظه ، وذلك أن في قوله : لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً معنى سننت فيهم الهزيمة والخذلان ، فلذلك قيل : سُنَّةَ اللَّهِ مصدرا من معنى الكلام لا من لفظه ، وقد يجوز أن تكون تفسيرا لما قبلها من الكلام . وقوله : وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا يقول جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : ولن تجد يا محمد لسنة الله التي سنها في خلقه تغييرا ، بل ذلك دائم للإحسان جزاءه من الإحسان ، وللإساءة والكفر العقاب والنكال القول في تأويل قوله تعالى : وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ . . . بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً يقول تعالى ذكره لرسوله صلى الله عليه وسلم : والذين بايعوا بيعة الرضوان ، وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ يعني أن الله كف أيدي المشركين الذين كانوا خرجوا على عسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بالحديبية يلتمسون غرتهم ليصيبوا منهم ، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتى بهم أسرى ، فخلى عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومن عليهم ولم يقتلهم فقال الله للمؤمنين : وهو الذي كف أيدي هؤلاء المشركين عنكم ، وأيديكم عنهم ببطن مكة ، من بعد أن أظفركم عليهم . وبنحو الذي قلنا في ذلك جاءت الآثار ذكر الرواية بذلك : حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق ، قال : سمعت أبي يقول : أخبرنا الحسين بن واقد ، قال : ثني ثابت البناني ، عن عبد الله بن مغفل ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان جالسا في أصل شجرة بالحديبية ، وعلى ظهره غصن من أغصان