محمد بن جرير الطبري

51

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا الآية يريدون أن يبدلوا كلام الله : أرادوا أن يغيروا كلام الله الذي قال لنبيه صلى الله عليه وسلم ويخرجوا معه ، وأبي الله ذلك عليهم ونبيه صلى الله عليه وسلم . وهذا الذي قاله ابن زيد قول لا وجه له ، لأن قول الله عز وجل فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ ، فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إنما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم منصرفه من تبوك ، وعني به الذين تخلفوا عنه حين توجه إلى تبوك لغزو الروم ، ولا اختلاف بين أهل العلم بمغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تبوك كانت بعد فتح خيبر وبعد فتح مكة أيضا ، فكيف يجوز أن يكون الأمر على ما وصفنا معنيا بقول الله : يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ وهو خبر عن المتخلفين عن المسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذ شخص معتمرا يريد البيت ، فصده المشركون عن البيت ، الذين تخلفوا عنه في غزوة تبوك ، وغزوة تبوك لم تكن كانت يوم نزلت هذه الآية ، ولا كان أوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله : فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا . فإذ كان ذلك كذلك ، فالصواب من القول في ذلك : ما قاله مجاهد وقتادة على ما قد بينا . واختلفت القراء في قراءة قوله : يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ فقرأ ذلك عامة قراء المدينة والبصرة ، وبعض قراء الكوفة كَلامَ اللَّهِ على وجه المصدر ، بإثبات الألف . وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة " كلم الله " بغير ألف ، بمعنى جمع كلمة ، وهما عندنا قراءتان مستفيضتان في قراءة الأمصار ، متقاربتا المعنى ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب ، وإن كنت إلى قراءته بالألف أميل . وقوله : قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل لهؤلاء المخلفين عن المسير معك يا محمد : لن تتبعونا إلى خيبر إذا أردنا السير إليهم لقتالهم . كَذلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ يقول : هكذا قال الله لنا من قبل مرجعنا إليكم ، إن غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية معنا ، ولستم ممن شهدها ، فليس لكم أن تتبعونا إلى خيبر ، لأن غنيمتها لغيركم . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : كَذلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ أي إنما جعلت الغنيمة لأهل الجهاد ، وإنما كانت غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية ليس لغيرهم فيها نصيب . وقوله : فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا يقول تعالى ذكره : فسيقول لك ولأصحابك يا محمد هؤلاء المخلفون من الأعراب إذا قلتم لهم لن تتبعونا إلى الجهاد وقتال العدو بخيبر كذلكم قال الله من قبل بل تحسدوننا أن نصيب معكم مغنما إن نحن شهدنا معكم ، فلذلك تمنعوننا من الخروج معكم . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا أن نصيب معكم غنائم . وقوله : بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا يقول تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم وأصحابه : ما الأمر كما يقول هؤلاء المنافقون من الأعراب من أنكم إنما تمنعونهم من اتباعكم حسدا منكم لهم على أن يصيبوا معكم من العدو مغنما ، بل كانوا لا يفقهون عن الله ما لهم وعليهم من أمر الدين إلا قليلا يسيرا ، ولو عقلوا ذلك ما قالوا لرسول الله والمؤمنين به ، وقد أخبروهم عن الله تعالى ذكره أنه حرمهم غنائم خيبر ، إنما تمنعوننا من صحبتكم إليها لأنكم تحسدوننا . القول في تأويل قوله تعالى قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ . . . تَوَلَّيْتُمْ مِنْ . . . عَذاباً أَلِيماً يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قُلْ يا محمد لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ عن المسير معك ، سَتُدْعَوْنَ إِلى قتال قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ في القتال شَدِيدٍ . واختلف أهل التأويل في هؤلاء الذين أخبر الله عز وجل عنهم أن هؤلاء المخلفين من الأعراب يدعون إلى قتالهم ، فقال