محمد بن جرير الطبري
3
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
فِي السَّماواتِ يقول تعالى ذكره : أم لآلهتكم التي تعبدونها أيها الناس ، شرك مع الله في السماوات السبع ، فيكون لكم أيضا بذلك حجة في عبادتكموها ، فإن من حجتي على إفرادي العبادة لربي ، أنه لا شريك له في خلقها ، وأنه المنفرد بخلقها دون كل ما سواه . وقوله : ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا يقول تعالى ذكره : بكتاب جاء من عند الله من قبل هذا القرآن الذي أنزل علي ، بأن ما تعبدون من الآلهة والأوثان خلقوا من الأرض شيئا ، أو أن لهم مع الله شركا في السماوات ، فيكون ذلك حجة لكم على عبادتكم إياها ، لأنها إذا صح لها ذلك صحت لها الشركة في النعم التي أنتم فيها ، ووجب لها عليكم الشكر ، واستحقت منكم الخدمة ، لأن ذلك لا يقدر أن يخلقه إلا الله . وقوله : أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ اختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء الحجاز والعراق أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ بالألف ، بمعنى : أو ائتوني ببقية من علم . وروي عن أبي عبد الرحمن السلمي أنه كان يقرأه " أو أثرة من علم " بمعنى : أو خاصة من علم أوتيتموه ، وأوثرتم به على غيركم ، والقراءة التي لا أستجيز غيرها أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ بالألف ، لإجماع قراء الأمصار عليها . واختلف أهل التأويل في تأويلها ، فقال بعضهم : معناه : أو ائتوني بعلم بأن آلهتكم خلقت من الأرض شيئا ، وأن لها شرك في السماوات من قبل الخط الذي تخطونه في الأرض ، فإنكم معشر العرب أهل عيافة وزجر وكهانة . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر بن آدم ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن سفيان ، عن صنوان بن سليم ، عن أبي سلمة ، عن ابن عباس أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ قال : خط كان يخطه العرب في الأرض . حدثنا أبو كريب ، قال : قال أبو بكر : يعني ابن عياش : الخط : هو العيافة . وقال آخرون : بل معنى ذلك : أو خاصة من علم . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ قال : أو خاصة من علم . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ قال : أي خاصة من علم . حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث ، قال : ثني أبي ، عن الحسين ، عن قتادة أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ قال : خاصة من علم . وقال آخرون : بل معنى ذلك : أو علم تثيرونه فتستخرجونه . ذكر من قال ذلك حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن الحسن ، في قوله : أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ قال : أثارة شيء يستخرجونه فطرة . وقال آخرون : بل معنى ذلك : أو تأثرون ذلك علما عن أحد ممن قبلكم ؟ ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ قال : أحد يأثر علما . وقال آخرون : بل معنى ذلك : أو ببينة من الأمر . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ يقول : ببينة من الأمر . وقال آخرون : بل معنى ذلك : ببقية من علم . ذكر من قال ذلك : حدثنا أبو كريب ، قال : سئل أبو بكر ، يعني ابن عياش عن أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ قال : بقية من علم . وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال : الأثارة : البقية من علم ، لأن ذلك هو المعروف من كلام العرب ، وهي مصدر من قول القائل : أثر الشيء أثارة ، مثل سمج سماجة ، وقبع قباحة ، كما قال راعي الإبل : وذات أثارة أكلت عليه يعني : وذات بقية من شحم ، فأما من قرأه أثارة أو أثرة فإنه جعله أثرة من الأثر ، كما قيل : قترة وغبرة . وقد ذكر عن بعضهم أنه قرأه " أو أثرة " بسكون الثاء ، مثل الرجفة والخطفة ، وإذا وجه ذلك إلى ما قلنا فيه من أنه بقية من علم ، جاز أن تكون تلك البقية من علم الخط ، ومن علم استثير من كتب الأولين ، ومن خاصة علم كانوا أوثروا به . وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك خبر بأنه تأوله أنه بمعنى الخط ، سنذكره إن شاء الله تعالى ، فتأويل الكلام إذا ائتوني