محمد بن جرير الطبري

4

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

أيها القوم بكتاب من قبل هذا الكتاب ، بتحقيق ما سألتكم تحقيقه من الحجة على دعواكم ما تدعون لآلهتكم ، أو ببقية من علم يوصل بها إلى علم صحة ما تقولون من ذلك إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في دعواكم لها ما تدعون ، فإن الدعوى إذا لم يكن معها حجة لم تغن عن المدعي شيئا . القول في تأويل قوله تعالى : وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ يقول تعالى ذكره : وأي عبد أضل من عبد يدعو من دون الله آلهة لا تستجيب له إلى يوم القيامة : يقول : لا تجيب دعاءه أبدا ، لأنها حجر أو خشب أو نحو ذلك . وقوله : وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ يقول تعالى ذكره : وآلهتهم التي يدعونهم عن دعائهم إياهم في غفلة ، لأنها لا تسمع ولا تنطق ، ولا تعقل . وإنما عنى بوصفها بالغفلة ، تمثيلها بالإنسان الساهي عما يقال له ، إذ كانت لا تفهم مما يقال لها شيئا ، كما لا يفهم الغافل عن الشيء ما غفل عنه . وإنما هذا توبيخ من الله لهؤلاء المشركين لسوء رأيهم ، وقبح اختيارهم في عبادتهم ، من لا يعقل شيئا ولا يفهم ، وتركهم عبادة من جميع ما بهم من نعمته ، ومن به استغاثتهم عندما ينزل بهم من الحوائج والمصائب . وقيل : من لا يستجيب له ، فأخرج ذكر الآلهة وهي جماد مخرج ذكر بني آدم ، ومن له الاختيار والتمييز ، إذ كانت قد مثلتها عبدتها بالملوك والأمراء التي تخدم في خدمتهم إياها ، فأجرى الكلام في ذلك على نحو ما كان جاريا فيه عندهم . القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذا حُشِرَ النَّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً . . . بَيِّناتٍ . . . مُبِينٌ يقول تعالى ذكره : وإذا جمع الناس يوم القيامة لموقف الحساب ، كانت هذه الآلهة التي يدعونها في الدنيا لهم أعداء ، لأنهم يتبرءون منهم وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ يقول تعالى ذكره : وكانت آلهتهم التي يعبدونها في الدنيا بعبادتهم جاحدين ، لأنهم يقولون يوم القيامة : ما أمرناهم بعبادتنا ، ولا شعرنا بعبادتهم إيانا ، تبرأنا إليك منهم يا ربنا . وقوله : وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ يقول تعالى ذكره : وإذا يقرأ على هؤلاء المشركين بالله من قومك آياتنا ، يعني حججنا التي احتججناها عليهم ، فيما أنزلناه من كتابنا على محمد صلى الله عليه وسلم بَيِّناتٍ يعني واضحات نيرات قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ يقول تعالى ذكره : قال الذين جحدوا وحدانية الله ، وكذبوا رسوله للحق لما جاءهم من عند الله ، فأنزله على رسوله صلى الله عليه وسلم . هذا سِحْرٌ مُبِينٌ يعنون هذا القرآن خداع يخدعنا ، ويأخذ بقلوب من سمعه فعل السحر مُبِينٌ : يقول : يبين لمن تأمله ممن سمعه أنه سحر مبين . القول في تأويل قوله تعالى : أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ . . . مِنَ اللَّهِ . . . الرَّحِيمُ يقول تعالى ذكره : أم يقولون هؤلاء المشركون بالله من قريش ، افترى محمد هذا القرآن ، فاختلفه وتخرصه كذبا ، قل لهم يا محمد إن افتريته وتخرصته على الله كذبا فَلا تَمْلِكُونَ لِي يقول : فلا تغنون عني من الله إن عاقبني على افترائي إياه ، وتخرصي عليه شيئا ، ولا تقدرون أن تدفعوا عني سوءا إن أصابني به . وقوله : هُوَ أَعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ يقول : ربي أعلم من كل شيء سواه بما تقولون بينكم في هذا القرآن والهاء من قوله : تُفِيضُونَ فِيهِ من ذكر القرآن . وبنحو الذي قلنا في معنى قوله : تُفِيضُونَ فِيهِ قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله : إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ قال : تقولون . وقوله : كَفى بِهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ يقول : كفى بالله شاهدا علي وعليكم بما تقولون من تكذبيكم لي فيما جئتكم به من عند الله الغفور الرحيم لهم ، بأن لا يعذبهم عليها بعد توبتهم منها . القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ . . . أَتَّبِعُ إِلَّا