محمد بن جرير الطبري
30
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
في الأرض سفرا ، وإنما هذا توبيخ من الله لهم ، لأنهم قد كانوا يسافرون إلى الشام ، فيرون نقمة الله التي أحلها بأهل حجر ثمود ، ويرون في سفرهم إلى اليمن ما أحل الله بسبأ ، فقال لنبيه عليه الصلاة والسلام وللمؤمنين به : أفلم يسر هؤلاء المشركون سفرا في البلاد فينظروا كيف كان عاقبة تكذيب الذين من قبلهم من الأمم المكذبة رسلها الرادة نصائحها ألم نهلكها فندمر عليها منازلها ونخربها ، فيتعظوا بذلك ، ويحذروا أن يفعل الله ذلك بهم في تكذيبهم إياه ، فينيبوا إلى طاعة الله في تصديقك . ثم توعدهم جل ثناؤه ، وأخبرهم إن هم أقاموا على تكذيبهم رسوله ، أنه محل بهم من العذاب ما أحل بالذين كانوا من قبلهم من الأمم ، فقال : وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها يقول : وللكافرين من قريش المكذبي رسول الله صلى الله عليه وسلم من العذاب العاجل ، أمثال عاقبة تكذيب الأمم الذين كانوا من قبلهم رسلهم على تكذيبهم رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله : وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها قال : مثل ما دمرت به القرون الأولى وعيد من الله لهم . القول في تأويل قوله تعالى : ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ . . . الْأَنْهارُ . . . مَثْوىً لَهُمْ يقول تعالى ذكره : هذا الفعل الذي فعلنا بهذين الفريقين فريق الإيمان ، وفريق الكفر ، من نصرتنا فريق الإيمان بالله ، وتثبيتنا أقدامهم ، وتدميرنا على فريق الكفر بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا يقول : من أجل أن الله ولي من آمن به ، وأطاع رسوله . كما : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا قال : وليهم . وقد ذكر لنا أن ذلك في قراءة عبد الله وذلك بأن الله ولي الذين آمنوا " وأن التي في المائدة التي هي في مصاحفنا إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ " إنما مولاكم الله " في قراءته . وقوله : وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ يقول : وبأن الكافرين بالله لا ولي لهم ، ولا ناصر . وقوله : إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يقول تعالى ذكره : إن الله له الألوهة التي لا تنبغي لغيره ، يدخل الذين آمنوا بالله وبرسوله بساتين تجري من تحت أشجارها الأنهار ، يفعل ذلك بهم تكرمة على إيمانهم به وبرسوله . وقوله : وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ يقول جل ثناؤه : والذين جحدوا توحيد الله ، وكذبوا رسوله صلى الله عليه وسلم يتمتعون في هذه الدنيا بحطامها ورياشها وزينتها الفانية الدارسة ، ويأكلون فيها غير مفكرين في المعاد ، ولا معتبرين بما وضع الله لخلقه من الحجج المؤدية لهم إلى علم توحيد الله ومعرفة صدق رسله ، فمثلهم في أكلهم ما يأكلون فيها من غير علم منهم بذلك ، وغير معرفة ، مثل الأنعام من البهائم المسخرة التي لا همة لها إلا في الاعتلاف دون غيره . وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ يقول جل ثناؤه : والنار نار جهنم مسكن لهم ، ومأوى ، إليها يصيرون من بعد مماتهم . القول في تأويل قوله تعالى : وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْناهُمْ يقول تعالى ذكره : وكم يا محمد من قرية هي أشد قوة من قريتك ، يقول أهلها أشد بأسا ، وأكثر جمعا ، وأعد عديدا من أهل قريتك ، وهي مكة ، وأخرج الخبر عن القرية ، والمراد به أهلها . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْناهُمْ قال : هي مكة . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة في قوله وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ قال :