محمد بن جرير الطبري

31

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

قريته مكة . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا المعتمر بن سليمان ، عن أبيه ، عن حبيش ، عن عكرمة ، عن ابن عباس أن نبي الله صلى الله عليه وسلم ، لما خرج من مكة إلى الغار ، أراه قال : التفت إلى مكة ، فقال : " أنت أحب بلاد الله إلى الله ، وأنت أحب بلاد الله إلي ، فلو أن المشركين لم يخرجوني لم أخرج منك ، فأعتى الأعداء من عتا على الله في حرمه ، أو قتل غير قاتله ، أو قتل بذحول الجاهلية " ، فأنزل الله تبارك وتعالى : وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْناهُمْ فَلا ناصِرَ لَهُمْ وقال جل ثناؤه : أخرجتك ، فأخرج الخبر عن القرية ، فلذلك أنث ، ثم قال : أهلكناهم ، لأن المعنى في قوله أخرجتك ، ما وصفت من أنه أريد به أهل القرية ، فأخرج الخبر مرة على اللفظ ، ومرة على المعنى وقوله : فَلا ناصِرَ لَهُمْ فيه وجهان من التأويل : أحدهما أن يكون معناه ، وإن كان قد نصب الناصر بالتبرئة ، فلم يكن لهم ناصر ، وذلك أن العرب قد تضمر كان أحيانا في مثل هذا . والآخر أن يكون معناه : فلا ناصر لهم الآن من عذاب الله ينصرهم . القول في تأويل قوله تعالى : أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ يقول تعالى ذكره : أَ فَمَنْ كانَ على برهان وحجة وبيان مِنْ أمر رَبِّهِ والعلم بوحدانيته ، فهو يعبده على بصيرة منه ، بأن له ربا يجازيه على طاعته إياه الجنة ، وعلى إساءته ومعصيته إياه النار ، كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ يقول : كمن حسن له الشيطان قبيح عمله وسيئه ، فأراه جميلا ، فهو على العمل به مقيم ، وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ يقول : واتبعوا ما دعتهم إليه أنفسهم من معصية الله ، وعبادة الأوثان من غير أن يكون عندهم بما يعملون من ذلك برهان وحجة . وقيل : إن الذي عني بقوله : أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ نبينا عليه الصلاة والسلام ، وإن الذي عني بقوله : كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ هم المشركون . القول في تأويل قوله تعالى : مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ . . . مِنْ لَبَنٍ . . . وَمَغْفِرَةٌ . . . أَمْعاءَهُمْ يقول تعالى ذكره : صفة الجنة التي وعدها المتقون ، وهم الذين اتقوا في الدنيا عقابه بأداء فرائضه ، واجتناب معاصيه فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ يقول تعالى ذكره في هذه الجنة التي : ذكرها أنهار من ماء غير متغير الريح ، يقال منه : قد أسن ماء هذه البئر : إذا تغيرت ريح مائها فأنتنت ، فهو يأسن أسنا ، وكذلك يقال للرجل إذا أصابته ريح منتنة : قد أسن فهو يأسن . وأما إذا أجن الماء وتغير ، فإنه يقال له : أسن فهو يأسن ، ويأسن أسونا ، وماء أسن . وبنحو الذي قلنا في معنى قوله مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، في قوله : فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ يقول : غير متغير . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، في قوله : أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ قال : من ماء غير منتن . حدثني عيسى بن عمرو ، قال : أخبرنا إبراهيم بن محمد ، قال : ثنا مصعب بن سلام ، عن سعد بن طريف ، قال : سألت أبا إسحاق عن ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ قال : سألت عنها الحرث ، فحدثني أن الماء الذي غير آسن تسنيم ، قال : بلغني أنه لا تمسه يد ، وأنه يجيء الماء هكذا حتى يدخل في فيه . وقوله : وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ يقول تعالى ذكره : وفيها أنهار من لبن لم يتغير طعمه لأنه لم يحلب من حيوان فيتغير طعمه بالخروج من الضروع ، ولكنه خلقه الله ابتداء في الأنهار ، فهو بهيئته لم يتغير عما خلقه عليه . وقوله : وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ يقول : وفيها أنهار من خمر لذة للشاربين يلتذون بشربها . كما : حدثني عيسى ، قال : ثنا . إبراهيم بن محمد ، قال : ثنا مصعب ، عن سعد بن طريف ، قال : سألت عنها الحرث ، فقال : لم تدسه المجوس ، ولم ينفخ فيه الشيطان ، ولم تؤذها شمس ، ولكنها فوحاء ، قال : قلت لعكرمة : ما الفوحاء : قال : الصفراء . وكما : حدثني سعد بن