محمد بن جرير الطبري
29
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : إذا نجى الله المؤمنين من النار حبسوا على قنطرة بين الجنة والنار ، فاقتص بعضهم من بعض مظالم كثيرة كانت بينهم في الدنيا ، ثم يؤذن لهم بالدخول في الجنة ، قال : فما كان المؤمن بأدل بمنزله في الدنيا منه بمنزله في الجنة حين يدخلها . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ قال : أي منازلهم فيها . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله : وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ قال : يهتدي أهلها إلى بيوتهم ومساكنهم ، وحيث قسم الله لهم لا يخطئون ، كأنهم سكانها منذ خلقوا لا يستدلون عليها أحدا . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ قال : بلغنا عن غير واحد قال : يدخل أهل الجنة الجنة ، ولهم أعرف بمنازلهم فيها من منازلهم في الدنيا التي يختلفون إليها في عمر الدنيا ؛ قال : فتلك قول الله جل ثناؤه وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ وقوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ يقول تعالى ذكره : يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله ، إن تنصروا الله ينصركم بنصركم رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم على أعدائه من أهل الكفر به وجهادكم إياهم معه لتكون كلمته العليا ينصركم عليهم ، ويظفركم بهم ، فإنه ناصر دينه وأولياءه . كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ لأنه حق على الله أن يعطي من سأله ، وينصر من نصره . وقوله : وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ يقول : ويقوكم عليهم ، ويجرئكم ، حتى لا تولوا عنهم ، وإن كثر عددهم ، وقل عددكم . القول في تأويل قوله تعالى : وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ . . . ما أَنْزَلَ . . . أَعْمالَهُمْ يقول تعالى ذكره : وَالَّذِينَ كَفَرُوا بالله ، فجحدوا توحيده فَتَعْساً لَهُمْ يقول : فخزيا لهم وشقاء وبلاء . كما : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد ، في قوله : وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ قال : شقاء لهم . وقوله : وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ يقول وجعل أعمالهم معمولة على غير هدى ولا استقامة ، لأنها عملت في طاعة الشيطان ، لا في طاعة الرحمن . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثي يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ قال : الضلالة التي أضلهم الله لم يهدهم كما هدى الآخرين ، فإن الضلالة التي أخبرك الله : يضل من يشاء ، ويهدي من يشاء ؛ قال : وهؤلاء ممن جعل عمله ضلالا ، ورد قوله : وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ على قوله : فَتَعْساً لَهُمْ وهو فعل ماض ، والتعس اسم ، لأن التعس وإن كان اسما ففي معنى الفعل لما فيه من معنى الدعاء ، فهو بمعنى : أتعسهم الله ، فلذلك صلح رد أضل عليه ، لأن الدعاء يجري مجرى الأمر والنهي ، وكذلك قوله : حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ مردودة على أمر مضمر ناصب لضرب . وقوله : ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ يقول يعالي ذكره : هذا الذي فعلنا بهم من الإتعاس وإضلال الأعمال من أجل أنهم كرهوا كتابنا الذي أنزلناه إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وسخطوه ، فكذبوا به ، وقالوا : هو سحر مبين . وقوله : فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ يقول : فأبطل أعمالهم التي عملوها في الدنيا ، وذلك عيادتهم الآلهة ، لم ينفعهم الله بها في الدنيا ولا في الآخرة ، بل أوبقهم بها ، فأصلاهم سعيرا ، وهذا حكم الله جل جلاله في جميع من كفر به من أجناس الأمم ، كما قال قتادة . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة في قوله : فَتَعْساً لَهُمْ قال : هي عامة للكفار . القول في تأويل قوله تعالى : أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ يقول تعالى ذكره : أفلم يسر هؤلاء المكذبون محمدا صلى الله عليه وسلم المنكر وما أنزلنا عليه من الكتاب