محمد بن جرير الطبري
28
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها الجهاد حتى لا يكون شرك . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها الجهاد قال : حتى لا يكون شرك . ذكر من قال : عني بالحرب في هذا الموضع : المحاربون . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور عن معمر ، عن قتادة حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها الجهاد قال الحرب : من كان يقاتلهم سماهم حربا . وقوله : ذلِكَ وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ يقول تعالى ذكره : هذا الذي أمرتكم به أيها المؤمنون من قتل المشركين إذا لقيتموهم في حرب ، وشدهم وثاقا بعد قهرهم ، وأسرهم ، والمن والفداء حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها هو الحق الذي ألزمكم ربكم ولو يشاء ربكم ، ويريد لانتصر من هؤلاء المشركين الذين بين هذا الحكم فيهم بعقوبة منه لهم عاجلة ، وكفاكم ذلك كله ، ولكنه تعالى ذكره كره الانتصار منهم ، وعقوبتهم عاجلا إلا بأيديكم أيها المؤمنون . لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ يقول : ليختبركم بهم ، فيعلم المجاهدين منكم والصابرين ، ويبلوهم بكم ، فيعاقب بأيديكم من شاء منهم ، ويتعظ من شاء منهم بمن أهلك بأيديكم من شاء منهم حتى ينيب إلى الحق . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ إي والله بجنوده الكثيرة كل خلقه له جند ، ولو سلط أضعف خلقه لكان جندا . وقوله : " والذين قاتلوا في سبيل الله " اختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء الحجاز والكوفة " والذين قاتلوا " بمعنى : حاربوا المشركين ، وجاهدوهم ، بالألف ؛ وكان الحسن البصري فيما ذكر عنه يقرأه قُتِلُوا بضم القاف وتشديد التاء ، بمعنى : أنه قتلهم المشركون بعضهم بعد بعض ، غير أنه لم يسم الفاعلون . وذكر عن الجحدري عاصم أنه كان يقرأه " والذين قتلوا " بفتح القاف وتخفيف التاء ، بمعنى : والذين قتلوا المشركون بالله . وكان أبو عمرو يقرأه قُتِلُوا بضم القاف وتخفيف التاء بمعنى : والذين قتلهم المشركون ، ثم أسقط الفاعلين ، فجعلهم لم يسم فاعل ذلك بهم . وأولى القراءات بالصواب قراءة من قرأه " والذين قاتلوا " لاتفاق الحجة من القراء ، وإن كان لجميعها وجوه مفهومة . وإذ كان ذلك أولى القراءات عندنا بالصواب ، فتأويل الكلام : والذين قاتلوا منكم أيها المؤمنون أعداء الله من الكفار في دين الله ، وفي نصرة ما بعث به رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم من الهدى ، فجاهدوهم في ذلك فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ فلن يجعل الله أعمالهم التي عملوها في الدنيا ضلالا عليهم كما أضل أعمال الكافرين . وذكر أن هذه الآية عني بها أهل أحد . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ ذكر لنا أن هذه الآية أنزلت يوم أحد ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الشعب ، وقد فشت فيهم الجراحات والقتل ، وقد نادى المشركون يومئذ : أعل هبل ، فنادى المسلمون : الله أعلى وأجل ، فنادى المشركون : يوم بيوم ، إن الحرب سجال ، إن لنا عزى ، ولا عزى لكم ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الله مولانا ولا مولى لكم . إن القتلى مختلفة ، أما قتلانا فأحياء يرزقون ، وأما قتلاكم ففي النار يعذبون " حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ قال : الذين قتلوا يوم أحد . القول في تأويل قوله تعالى : سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ . . . يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ يقول تعالى ذكره : سيوفق الله تعالى ذكره للعمل بما يرضي ويحب ، هؤلاء الذين قاتلوا في سبيله ، وَيُصْلِحُ بالَهُمْ ويصلح أمرهم وحالهم في الدنيا والآخرة . وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ يقول : ويدخلهم الله جنته عرفها ، يقول : عرفها وبينها لهم ، حتى إن الرجل ليأتي منزله منها إذا دخلها كما كان يأتي منزله في الدنيا ، لا يشكل عليه ذلك . كما : حدثنا ابن عبد الأعلى ،