محمد بن جرير الطبري
24
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
أي الذي خلق ذلك على كل شيء شاء خلقه ، وأراد فعله ، ذو قدرة لا يعجزه شيء أراده ، ولا يعييه شيء أراد فعله ، فيعييه إنشاء الخلق بعد الفناء ، لأن من عجز عن ذلك فضعيف ، فلا ينبغي أن يكون إلها من كان عما أراد ضعيفا . القول في تأويل قوله تعالى : وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَ لَيْسَ هذا بِالْحَقِّ . . . تَكْفُرُونَ يقول تعالى ذكره : ويوم يعرض هؤلاء المكذبون بالبعث ، وثواب الله عباده على أعمالهم الصالحة ، وعقابه إياهم على أعمالهم السيئة ، على النار ، نار جهنم ، يقال لهم حينئذ : أليس هذا العذاب الذي تعذبونه اليوم ، وقد كنتم تكذبون به في الدنيا بالحق ، توبيخا من الله لهم على تكذيبهم به ، كان في الدنيا قالُوا بَلى وَرَبِّنا يقول : فيجيب هؤلاء الكفرة من فورهم بذلك ، بأن يقولوا بلى هو الحق والله قالَ : فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ يقول : فقال لهم المقرر بذلك : فذوقوا عذاب النار الآن بما كنتم تجحدونه في الدنيا ، وتنكرونه ، وتأبون الإقرار إدا دعيتم إلى التصديق به . القول في تأويل قوله تعالى : فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ . . . فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ، مثبته على المضي لما قلده من عبء الرسالة ، وثقل أحمال النبوة صلى الله عليه وسلم ، وآمره بالإتساء في العزم على النفوذ لذلك بأولي العزم من قبله من رسله الذين صبروا على عظيم ما لقوا فيه من قومهم من المكاره ، ونالهم فيه منهم من الأذى والشدائد فَاصْبِرْ يا محمد على ما أصابك في الله من أذى مكذبيك من قومك الذين أرسلناك إليهم بالإنذار كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ على القيام بأمر الله ، والانتهاء إلى طاعته من رسله الذين لم ينههم عن النفوذ لأمره ، ما نالهم فيه من شدة . وقيل : إن أولي العزم منهم ، كانوا الذين امتحنوا في ذات الله في الدنيا بالمحن ، فلم تزدهم المحن إلا جدا في أمر الله ، كنوح وإبراهيم وموسى ومن أشبههم . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : ثنى ثوابة بن مسعود ، عن عطاء الخراساني ، أنه قال فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ كنا نحدث أن إبراهيم كان منهم . وكان ابن زيد يقول في ذلك ما : حدثني به يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ قال : كل الرسل كانوا أولي عزم لم يتخذ الله رسولا إلا كان ذا عزم ، فاصبر كما صبروا . حدثنا ابن سنان القزاز ، قال : ثنا عبد الله بن رجاء ، قال : ثنا إسرائيل ، عن سالم ، عن سعيد بن جبير ، في قوله : فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ قال : سماه الله من شدته العزم . وقوله : وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ يقول : ولا تستعجل عليهم بالعذاب ، يقول : لا تعجل بمسألتك ربك ذلك لهم فإن ذلك نازل بهم لا محالة . كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ يقول : كأنهم يوم يرون عذاب الله الذي يعدهم أنه منزله بهم ، لم يلبثوا في الدنيا إلا ساعة من نهار ، لأنه ينسيهم شدة ما ينزل بهم من عذابه ، قدر ما كانوا في الدنيا لبثوا ، ومبلغ ما فيها مكثوا من السنين والشهور ، كما قال جل ثناؤه : قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ ؟ قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ، فَسْئَلِ الْعادِّينَ وقوله : بَلاغٌ فيه وجهان : أحدهما أن يكون معناه : لم يلبثوا إلا ساعة من نهار ذلك لبث بلاغ ، بمعنى : ذلك بلاغ لهم في الدنيا إلى أجلهم ، ثم حذفت ذلك لبث ، وهي مرادة في الكلام اكتفاء بدلالة ما ذكر من الكلام عليها . والآخر : أن يكون معناه : هذا القرآن والتذكير بلاغ لهم وكفاية ، إن فكروا واعتبروا فتذكروا .