محمد بن جرير الطبري

12

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : ثنا هشيم ، قال : أخبرنا مجالد ، عن الشعبي ، قال : الأشد : الحلم إذا كتبت له الحسنات ، وكتبت عليه السيئات . وقد بينا فيما مضى الأشد جمع شد ، وأنه تناهي قوته واستوائه . وإذا كان ذلك كذلك ، كان الثلاث والثلاثون به أشبه من الحلم ، لأن المرء لا يبلغ في حال حلمه كمال قواه ، ونهاية شدته ، فإن العرب إذا ذكرت مثل هذا من الكلام ، فعطفت ببعض على بعض جعلت كلا الوقتين قريبا أحدهما من صاحبه ، كما قال جل ثناؤه : إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ ولا تكاد تقول أنا أعلم أنك تقوم قريبا من ساعة من الليل وكله ، ولا أخذت قليلا من مال أو كله ، ولكن تقول : أخذت عامة مالي أو كله ، فكذلك ذلك في قوله : حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً لا شك أن نسق الأربعين على الثلاث والثلاثين أحسن وأشبه ، إذ كان يراد بذلك تقريب أحدهما من الآخر من النسق على الخمس عشرة أو الثمان عشرة . وقوله : وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً ذلك حين تكاملت حجة الله عليه ، وسير عنه جهالة شبابه وعرف الواجب لله من الحق في بر والديه . كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً وقد مضى من سئ عمله . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً ، قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي حتى بلغ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وقد مضى من سئ عمله ما مضى . وقوله : قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ يقول تعالى ذكره : قال هذا الإنسان الذي هداه الله لرشده ، وعرف حق الله عليه فيما ألزمه من بر والديه رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ يقول : أغرني بشكر نعمتك التي أنعمت علي في تعريفك إياي توحيدك وهدايتك لي للإقرار بذلك ، والعمل بطاعتك وَعَلى والِدَيَّ من قبلي ، وغير ذلك من نعمك علينا ، وألهمني ذلك . وأصله من وزعت الرجل على كذا : إذا دفعته عليه . وكان ابن زيد يقول في ذلك ما : حدثني به يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ قال : اجعلني أشكر نعمتك ، وهذا الذي قاله ابن زيد في قوله : رَبِّ أَوْزِعْنِي وإن كان يؤول إليه معنى الكلمة ، فليس بمعنى الإيزاع على الصحة . وقوله : وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ يقول تعالى ذكره : أوزعني أن أعمل صالحا من الأعمال التي ترضاها ، وذلك العمل بطاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم . وقوله : وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي يقول : وأصلح لي أموري في ذريتي الذين وهبتهم ، بأن تجعلهم هداة للإيمان بك ، واتباع مرضاتك ، والعمل بطاعتك ، فوصاه جل ثناؤه بالبر بالآباء والأمهات والبنين والبنات . وذكر أن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه . وقوله : إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل هذا الإنسان . إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ يقول : تبت من ذنوبي التي سلفت مني في سالف أيامي إليك . وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ يقول : وإني من الخاضعين لك بالطاعة ، المستسلمين لأمرك ونهيك ، المنقادين لحكمك . القول في تأويل قوله تعالى : أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ . . . وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ يقول تعالى ذكره : هؤلاء الذين هذه الصفة صفتهم ، هم الذين يتقبل عنهم أحسن ما عملوا في الدنيا من صالحات الأعمال ، فيجازيهم به ، ويثيبهم عليه وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ يقول : ويصفح لهم عن سيئات أعمالهم التي عملوها في الدنيا ، فلا يعاقبهم عليها فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ يقول : تفعل ذلك بهم فعلنا مثل ذلك في أصحاب الجنة وأهلها الذين هم أهلها . كما : حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : ثنا المعتمر بن سليمان ، عن الحكم بن أبان ، عن الغطريف ، عن حابر بن زيد ، عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم عن الروح الأمين ، قال : " يؤتي بحسنات العبد وسيئاته ، فيقتص بعضها فإن بقيت حسنة وسع الله له في الجنة " قال : فدخلت على يزداد ، فحدث بمثل هذا الحديث ،