محمد بن جرير الطبري
13
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
قال : قلت : فإن ذهبت الحسنة ؟ قال : أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ الآية . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا جرير ، عن ليث ، عن مجاهد ، قال : دعا أبو بكر عمر رضي الله عنهما ، فقال له : إني أوصيك بوصية أن تحفظها : إن لله في الليل حقا لا يقبله بالنهار ، وبالنهار حقا لا يقبله بالليل ، إنه ليس لأحد نافلة حتى يؤدى الفريضة ، إنه إنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة باتباعهم الحق في الدنيا ، وثقل ذلك عليهم ، وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الحق أن يثقل ، وخفت موازين من خفت موازينه يوم القيامة ، لاتباعهم الباطل في الدنيا ، وخفته عليهم ، وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الباطل أن يخف ، ألم تر أن الله ذكر أهل الجنة بأحسن أعمالهم ، فيقول قائل : أين يبلغ عملي من عمل هؤلاء ، وذلك أن الله عز وجل تجاوز عن أسوإ أعمالهم فلم يبده ، ألم تر أن الله ذكر أهل النار بأسوإ أعمالهم حتى يقول قائل : أنا خير عملا من هؤلاء ، وذلك بأن الله رد عليهم أحسن أعمالهم ، ألم تر أن الله عز وجل أنزل آية الشدة عند آية الرخاء ، وآية الرخاء عند آية الشدة ، ليكون المؤمن راغبا راهبا ، لئلا يلقي بيده إلى التهلكة ، ولا يتمنى على الله أمنية يتمنى على الله فيها غير الحق . واختلفت القراء في قراءة قوله : نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ فقرأ ذلك عامة قراء المدينة والبصرة وبعض قراء الكوفة " يتقبل ، ويتجاوز " بضم الياء منهما ، على ما لم يسم فاعله ، ورفع " أحسن " . وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة نَتَقَبَّلُ وَنَتَجاوَزُ بالنون وفتحها ، ونصب أَحْسَنَ على معنى إخبار الله جل ثناؤه عن نفسه أنه يفعل ذلك بهم ، وردا للكلام على قوله : وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ ونحن نتقبل منهم أحسن ما عملوا ونتجاوز ، وهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب . وقوله : وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ يقول : وعدهم الله هذا الوعد ، وعد الحق لا شك فيه أنه موف لهم به ، الذي كانوا إياه في الدنيا يعدهم الله تعالى ، ونصب قوله : وَعْدَ الصِّدْقِ لأنه مصدر خارج من قوله : " يتقبل عنهم أحسن ما عملوا ويتجاوز عن سيئاتهم " ، وإنما أخرج من هذا الكلام مصدر وعد وعدا ، لأن قوله : " يتقبل عنهم ويتجاوز " وعد من الله لهم ، فقال : وعد الصدق ، على ذلك المعنى . القول في تأويل قوله تعالى : وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما . . . اللَّهَ وَيْلَكَ . . . الْأَوَّلِينَ وهذا نعت من الله تعالى ذكره نعت ضال به كافر ، وبوالديه عاق ، وهما مجتهدان في نصيحته ودعائه إلى الله ، فلا يزيده دعاؤهما إياه إلى الحق ، ونصيحتهما له إلا عتوا وتمردا على الله ، وتماديا في جهله ، يقول الله جل ثناؤه وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أن دعواه إلى الإيمان بالله ، والإقرار ببعث الله خلقه من قبورهم ، ومجازاته إياهم بأعمالهم أُفٍّ لَكُما يقول : قذرا لكما ونتنا . أَ تَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ يقول أتعدانني أن أخرج من قبري من بعد فنائي وبلائي فيه حيا . كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة أَ تَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ أن أبعث بعد الموت . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، في قوله : أَ تَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ قال : يعني البعث بعد الموت . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، قوله وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أَ تَعِدانِنِي إلى آخر الآية ؛ قال : الذي قال هذا ابن لأبي بكر رضي الله عنه ، قال : أَ تَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ أتعدانني أن أبعث بعد الموت . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا هوذة ، قال : ثنا عوف ، عن الحسن ، في قوله : وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أَ تَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ قال : هو الكافر الفاجر العاق لوالديه ، المكذب بالبعث . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قال : ثم نعت عبد سوء عاقا لوالديه فاجرا فقال : وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما إلى قوله : أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ وقوله : وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي يقول : أتعدانني أن أبعث ، وقد مضت قرون من الأمم قبلي ، فهلكوا ،