محمد بن جرير الطبري

11

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

يقول تعالى ذكره : إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ الذي لا إله غيره ثُمَّ اسْتَقامُوا على تصديقهم بذلك فلم يخلطوه بشرك ، ولم يخالفوا الله في أمره ونهيه فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ من فزع يوم القيامة وأهواله وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ على ما خلفوا وراءهم بعد مماتهم . وقوله : أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ يقول تعالى ذكره : هؤلاء الذين قالوا هذا القول ، واستقاموا أهل الجنة وسكانها . خالِدِينَ فِيها يقول : ماكثين فيها أبدا . جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ يقول : ثوابا منا لهم آتيناهم ذلك على أعمالهم الصالحة التي كانوا في الدنيا يعملونها . القول في تأويل قوله تعالى : وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ . . . وَحَمْلُهُ . . . نِعْمَتَكَ . . . وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ يقول تعالى ذكره : ووصينا ابن آدم بوالديه الحسن في صحبته إياهما أيام حياتهما ، والبر بهما في حياتهما وبعد مماتهما . واختلفت القراء في قراءة قوله : إِحْساناً فقرأته عامة قراء المدينة والبصرة " وحسنا " بضم الحاء على التأويل الذي وصفت . وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة إِحْساناً بالألف ، بمعنى : ووصيناه بالإحسان إليهما ، وبأي ذلك قرأ القارئ فمصيب ، لتقارب معاني ذلك ، واستفاضة القراءة بكل واحدة منهما في القراء . وقوله : حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً يقول تعالى ذكره : ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا برا بهما ، لما كان منهما إليه حملا ووليدا وناشئا ، ثم وصف جل ثناؤه ما لديه من نعمة أمه ، وما لاقت منه في حال حمله ووضعه ، ونبهه على الواجب لها عليه من البر ، واستحقاقها عليه من الكرامة وجميل الصحبة ، فقال : حَمَلَتْهُ أُمُّهُ يعني في بطنها كرها ، يعني مشقة ، وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً يقول : وولدته كرها يعني مشقة . كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً يقول : حملته مشقة ، ووضعته مشقة حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة والحسن ، في قوله : حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً قالا : حملته في مشقة ، ووضعته في مشقة . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً قال : مشقة عليها . واختلفت القراء في قراءة قوله : كُرْهاً فقرأته عامة قراء المدينة والبصرة " وكرها " بفتح الكاف . وقرأته عامة قراء الكوفة كُرْهاً بضمها ، وقد بينت اختلاف المختلفين في ذلك قبل إذا فتح وإذا ضم في سورة البقرة بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان معروفتان ، متقاربتا المعنى ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب . وقوله : وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً يقول تعالى ذكره : وحمل أمه إياه جنينا في بطنها ، وفصالها إياه من الرضاع ، وفطمها إياه ، شرب اللبن ثلاثون شهرا . واختلفت القراء في قراءة قوله : وَفِصالُهُ ، فقرأ ذلك عامة قراء الأمصار غير الحسن البصري : وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ بمعنى : فاصلته أمه فصالا ومفاصلة . وذكر عن الحسن البصري أنه كان يقرأه : " وحمله وفصله " بفتح الفاء بغير ألف ، بمعنى : وفصل أمه إياه . والصواب من القول في ذلك عندنا ، ما عليه قراء الأمصار ، لإجماع الحجة من القراء عليه وشذوذ ما خالفه . وقوله : حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ اختلف أهل التأويل في مبلغ حد ذلك من السنين ، فقال بعضهم : هو ثلاث وثلاثون سنة . ذكر من قال ذلك : حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا ابن إدريس ، قال : سمعت عبد الله بن عثمان بن خثيم ، عن مجاهد ، عن ابن عباس ، قال : أشده : ثلاث وثلاثون سنة ، واستواؤه أربعون سنة ، والعمر الذي أعذر الله فيه إلى ابن آدم ستون . حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ قال : ثلاثا وثلاثين . وقال آخرون : هو بلوغ الحلم . ذكر من قال ذلك :