محمد بن جرير الطبري

35

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ يقول تعالى ذكره : أو من ينبت في الحلية ويزين بها وَهُوَ فِي الْخِصامِ يقول : وهو في مخاصمة من خاصمه عند الخصام غير مبين ، ومن خصمه ببرهان وحجة ، لعجزه وضعفه ، جعلتموه جزء الله من خلقه وزعمتم أنه نصيبه منهم ، وفي الكلام متروك استغنى بدلالة ما ذكر منه وهو ما ذكرت . واختلف أهل التأويل في المعنى بقوله : أَ وَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ ، فقال بعضهم : عني بذلك الجواري والنساء . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله : أَ وَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ قال : يعني المرأة . حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن علقمة ، عن مرثد ، عن مجاهد ، قال : رخص للنساء في الحرير والذهب ، وقرأ أَ وَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ قال : يعني المرأة . حدثني محمد بن عمرو ، قال : قال ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله أَ وَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ قال : الجواري جعلتموهن للرحمن ولدا ، كيف تحكمون . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : أَ وَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ قال : الجواري يسفههن بذلك ، غير مبين بضعفهن . حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة أَ وَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ يقول : جعلوا له البنات وهم إذا بشر أحدهم بهن ظل وجهه مسودا وهو كظيم . قال : وأما قوله : وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ يقول : قلما تتكلم امرأة فتريد أن تتكلم بحجتها إلا تكلمت بالحجة عليها . حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي أَ وَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ قال : النساء . وقال آخرون : عني بذلك أوثانهم التي كانوا يعبدونها من دون الله . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : أَ وَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ الآية ، قال : هذه تماثيلهم التي يضربونها من فضة وذهب يعبدونها هم الذين أنشئوها ، ضربوها من تلك الحلية ، ثم عبدوها وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ قال : لا يتكلم ، وقرأ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال : عني بذلك الجواري والنساء ، لأن ذلك عقيب خبر الله عن إضافة المشركين إليه ما يكرهونه لأنفسهم من البنات ، وقلة معرفتهم بحقه ، وتحليتهم إياه من الصفات والبخل ، وهو خالقهم ومالكهم ورازقهم ، والمنعم عليهم النعم التي عددها في أول هذه السورة ما لا يرضونه لأنفسهم ، فاتباع ذلك من الكلام ما كان نظيرا له أشبه وأولى من اتباعه ما لم يجر له ذكر . واختلف القراء في قراءة قوله : أَ وَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ فقرأته عامة قراء المدينة والبصرة وبعض المكيين والكوفيين " أو من ينشؤا " بفتح الياء والتخفيف من نشا ينشؤا . وقرأته عامة قراء الكوفة يُنَشَّؤُا بضم الياء وتشديد الشين من نشأته فهو ينشؤا . والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال : إنهما قراءتان معروفتان في قراءة الأمصار ، متقاربتا المعنى ، لأن المنشأ من الإنشاء ناشئ ، والناشئ منشأ ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب . وقد ذكر أن ذلك في قراءة عبد الله " أو من لا ينشؤا إلا في الحلية " ، وفي " من " وجوه من الإعراب الرفع على الاستئناف والنصب على إضمار يجعلون كأنه قيل : أو من ينشؤا في الحلية يجعلون بنات الله . وقد يجوز النصب فيه أيضا على الرد على قوله : أم اتخذ مما يخلق بنات أو من ينشؤا في الحلية ، فيرد " من " على البنات ، والخفض على الرد على " ما " التي في قوله : وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلًا . القول في تأويل قوله تعالى : وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً أَ شَهِدُوا . . . يُسْئَلُونَ يقول تعالى ذكره : وجعل هؤلاء المشركون بالله ملائكته الذين هم عباد الرحمن . واختلفت القراء