محمد بن جرير الطبري
36
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء المدينة " الذين هم عند الرحمن " بالنون ، فكأنهم تأولوا في ذلك قول الله جل ثناؤه : إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ فتأويل الكلام على هذه القراءة : وجعلوا ملائكة الله الذين هم عنده يسبحونه ويقدسونه إناثا ، فقالوا : هم بنات الله جهلا منهم بحق الله ، وجرأة منهم على قيل الكذب والباطل . وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة والبصرة وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً بمعنى : جمع عبد . فمعنى الكلام على قراءة هؤلاء : وجعلوا ملائكة الله الذين هم خلقه وعباده بنات الله ، فأنثوهم بوصفهم إياهم بأنهم إناث . والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان معروفتان في قراءة الأمصار صحيحتا المعنى ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب ، وذلك أن الملائكة عباد الله وعنده . واختلفوا أيضا في قراءة قوله : أَ شَهِدُوا خَلْقَهُمْ فقرأ ذلك بعض قراء المدينة " أشهدوا خلقهم " بضم الألف ، على وجه ما لم يسم فاعله ، بمعنى : أأشهد الله هؤلاء المشركين الجاعلين ملائكة الله إناثا ، خلق ملائكته الذين هم عنده ، فعلموا ما هم ، وأنهم إناث ، فوصفوهم بذلك ، لعلمهم بهم ، وبرؤيتهم إياهم ، ثم رد ذلك إلى ما لم يسم فاعله . وقرئ بفتح الألف ، بمعنى : أشهدوا هم ذلك فعلموه ؟ والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان معروفتان ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب . وقوله : سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ يقول تعالى ذكره : ستكتب شهادة هؤلاء القائلين : الملائكة بنات الله في الدنيا ، بما شهدوا به عليهم ، ويسألون عن شهادتهم تلك في الآخرة أن يأتوا ببرهان على حقيقتها ، ولن يجدوا إلى ذلك سبيلا . القول في تأويل قوله تعالى : وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ . . . مُسْتَمْسِكُونَ يقول تعالى ذكره : وقال هؤلاء المشركون من قريش : لو شاء الرحمن ما عبدنا أوثاننا التي نعبدها من دونه ، وإنما لم يحل بنا عقوبة على عبادتنا إياها لرضاه منا بعبادتناها . كما : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ للأوثان يقول الله عز وجل . ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ يقول : ما لهم بحقيقة ما يقولون من ذلك من علم ، وإنما يقولونه تخرصا وتكذبا ، لأنهم لا خبر عندهم مني بذلك ولا برهان . وإنما يقولونه ظنا وحسبانا . إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ يقول : ما هم إلا متخرصون هذا القول الذي قالوه ، وذلك قولهم لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ . وكان مجاهد يقول في تأويل ذلك ، ما : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثنا الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ما يعلمون قدرة الله على ذلك . وقوله : أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً مِنْ قَبْلِهِ يقول تعالى ذكره ما آتينا هؤلاء المتخرصين القائلين لو شاء الرحمن ما عبدنا الآلهة كتابا بحقيقة ما يقولون من ذلك ، من قبل هذا القرآن الذي أنزلناه إليك يا محمد . فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ يقول : فهم بذلك الكتاب الذي جاءهم من عندي من قبل هذا القرآن ، مستمسكون يعملون به ، ويدينون بما فيه ، ويحتجون به عليك . القول في تأويل قوله تعالى : بَلْ قالُوا إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ . . . مُهْتَدُونَ يقول تعالى ذكره : ما آتينا هؤلاء القائلين : لو شاء الرحمن ما عبدنا هؤلاء الأوثان بالأمر بعبادتها ، كتابا من عندنا ، ولكنهم قالوا : وجدنا آباءنا الذين كانوا قبلنا يعبدونها ، فنحن نعبدها كما كانوا يعبدونها ؛ وعنى جل ثناؤه بقوله : بَلْ قالُوا إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ بل وجدنا آباءنا على دين وملة ، وذلك هو عبادتهم الأوثان . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ،