محمد بن جرير الطبري
31
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، في قوله : أَ فَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً قال : لو أن هذه الأمة لم يؤمنوا لضرب عنهم الذكر صفحا ، قال : الذكر ما أنزل عليهم مما أمرهم الله به ونهاهم صفحا ، لا يذكر لكم منه شيئا . وأولى التأويلين في ذلك بالصواب تأويل من تأوله : أفنضرب عنكم العذاب فنترككم ونعرض عنكم ، لأن كنتم قوما مسرفين لا تؤمنون بربكم . وإنما قلنا ذلك أولى التأويلين بالآية ، لأن الله تبارك وتعالى أتبع ذلك خبره عن الأمم السالفة قبل الأمم التي توعدها بهذه الآية في تكذيبها رسلها ، وما أحل بها من نقمته ، ففي ذلك دليل على أن قوله : أَ فَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً وعيد منه للمخاطبين به من أهل الشرك ، إذ سلكوا في التكذيب بما جاءهم عن الله رسولهم مسلك الماضين قبلهم . واختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء المدينة والكوفة " إن كنتم " بكسر الألف من " إن " بمعنى : أفنضرب عنكم الذكر صفحا إذ كنتم قوما مسرفين . وقرأه بعض قراء أهل مكة والكوفة وعامة قراء البصرة " أن " بفتح الألف من " أن " ، بمعنى : لأن كنتم . واختلف أهل العربية في وجه فتح الألف من أن في هذا الموضع ، فقال بعض نحويي البصرة : فتحت لأن معنى الكلام : لأن كنتم . وقال بعض نحويي الكوفة : من فتحها فكأنه أراد شيئا ماضيا ، فقال : وأنت تقول في الكلام : أتيت أن حرمتني ، تريد : إذ حرمتني ، ويكسر إذا أردت : أتيت إن تحرمني . ومثله : لا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ و أَنْ صَدُّوكُمْ بكسر وبفتح . فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً قال : والعرب تنشد قول الفرزدق : أتجزع أن أذنا قتيبة حزتا * جهارا ولم تجزع لقتل ابن حازم قال : وينشد : أتجزع أن بان الخليط المودع * وحبل الصفا من عزة المتقطع قال : وفي كل واحد من البيتين ما في صاحبه من الكسر والفتح . والصواب من القول في ذلك عندنا : أن الكسر والفتح في الألف في هذا الموضع قراءتان مشهورتان في قراءة الأمصار صحيحتا المعنى ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب ، وذلك أن العرب إذا تقدم " أن " وهي بمعنى الجزاء فعل مستقبل كسروا ألفها أحيانا ، فمحضوا لها الجزاء ، فقالوا : أقوم إن قمت ، وفتحوها أحيانا ، وهم ينوون ذلك المعنى ، فقالوا : أقوم أن قمت بتأويل ، لأن قمت ، فإذا كان الذي تقدمها من الفعل ماضيا لم يتكلموا إلا بفتح الألف من " أن " فقالوا : قمت أن قمت ، وبذلك جاء التنزيل ، وتتابع شعر الشعراء . القول في تأويل قوله تعالى : وَكَمْ أَرْسَلْنا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ يقول تعالى ذكره : وَكَمْ أَرْسَلْنا مِنْ نَبِيٍّ يا محمد في القرون الأولين الذين مضوا قبل قرنك الذي بعثت فيه كما أرسلناك في قومك من قريش . وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ يقول وما كان يأتي قرنا من أولئك القرون وأمة من أولئك الأمم الأولين لنا من نبي يدعوهم إلى الهدى وطريق الحق ، إلا كان الذين يأتيهم ذلك من تلك الأمم نبيهم الذي أرسله إليهم يستهزئون سخرية منهم بهم كاستهزاء قومك بك يا محمد . يقول : فلا يعظمن عليك ما يفعل بك قومك ، ولا يشقن عليك ، فإنهم إنما سلكوا في استهزائهم بك مسلك أسلافهم ، ومنهاج أئمتهم الماضين من أهل الكفر بالله . القول في تأويل قوله تعالى : فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشاً يقول تعالى ذكره : فأهلكنا أشد من هؤلاء المستهزئين بأنبيائهم بطشا إذا بطشوا فلم يعجزونا بقواهم وشدة بطشهم ، ولم يقدروا على الامتناع من بأسنا إذ أتاهم ، فالذين هم أضعف منهم قوة أحرى أن لا يقدروا على الامتناع من نقمنا إذا حلت بهم . وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ يقول جل ثناؤه : ومضى لهؤلاء المشركين المستهزئين بك ولمن قبلهم من ضربائهم