محمد بن جرير الطبري
32
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
مثلنا لهم في أمثالهم من مكذبي رسلنا الذين أهلكناهم ، يقول : فليتوقع هؤلاء الذين يستهزئون بك يا محمد من عقوبتنا مثل الذي أحللناه بأولئك الذين أقاموا على تكذيبك . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ قال : عقوبة الأولين . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله : مَثَلُ الْأَوَّلِينَ قال : سنتهم . القول في تأويل قوله تعالى : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ . . . لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ يقول تعالى ذكره : ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين من قومك : من خلق السماوات السبع والأرضين ، فأحدثهن وأنشأهن ؟ ليقولن : خلقهن العزيز في سلطانه وانتقامه من أعدائه ، العليم بهن وما فيهن من الأشياء ، لا يخفى عليه شيء . الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً يقول : الذي مهد لكم الأرض ، فجعلها لكم وطاء توطئونها بأقدامكم ، وتمشون عليها بأرجلكم . وَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا يقول : وسهل لكم فيها طرقا تتطرقونها من بلدة إلى بلدة ، لمعايشكم ومتاجركم . كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة وَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا أي طرقا . حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثما أسباط ، عن السدي الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً قال : بساطا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا قال : الطرق . لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ يقول : لكي تهتدوا بتلك السبل إلى حيث أردتم من البلدان والقرى والأمصار ، لولا ذلك لم تطيقوا براح أفنيتكم ودوركم ، ولكنها نعمة أنعم بها عليكم . القول في تأويل قوله تعالى : وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ . . . خَلَقَ . . . تَرْكَبُونَ يقول تعالى ذكره : وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ يعني : ما نزل جل ثناؤه من الأمطار من السماء بقدر : يقول : بمقدار حاجتكم إليه ، فلم يجعله كالطوفان ، فيكون عذابا كالذي أنزل على قوم نوح ، ولا جعله قليلا ، لا ينبت به النبات والزرع من قلته ، ولكن جعله غيثا ، ، حيا للأرض الميتة محييا . فَأَنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً يقول جل ثناؤه : فأحيينا به بلده من بلادكم ميتا ، يعني مجدبة لا نبات بها ولا زرع ، قد درست من الجدوب ، وتعفنت من القحوط كَذلِكَ تُخْرَجُونَ يقول تعالى ذكره : كما أخرجنا بهذا الماء الذي نزلناه من السماء من هذه البلدة الميتة بعد جدوبها وقحوطها النبات والزرع ، كذلك أيها الناس تخرجون من بعد فنائكم ومصيركم في الأرض رفاتا بالماء الذي أنزله إليها لإحيائكم من بعد مما تكم منها أحياء كهيئتكم التي بها قبل مماتكم . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ الآية ، كما أحيا الله هذه الأرض الميتة بهذا الماء كذلك تبعثون يوم القيامة . وقيل : أنشرنا به ، لأن معناه : أحيينا به ، ولو وصفت الأرض بأنها أحييت ، قيل : نشرت الأرض ، كما قال الأعشى : حتى يقول الناس مما رأوا * يا عجبا للميت الناشر وقوله : وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها يقول تعالى ذكره : والذي خلق كل شيء فزوجه ، أي خلق الذكور من الإناث أزواجا ، ، الإناث من الذكور أزواجا لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وهي السفن وَالْأَنْعامِ وهي البهائم ما تَرْكَبُونَ يقول : جعل لكم من السفن ما تركبونه في البحار إلى حيث قصدتم واعتمدتم في سيركم فيها لمعايشكم ومطالبكم ، ومن الأنعام ما تركبونه في البر إلى حيث أردتم من البلدان ، كالإبل والخيل والبغال والحمير . القول في تأويل قوله تعالى : لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ . . . نِعْمَةَ