محمد بن جرير الطبري

19

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

ذكر من قال ذلك : حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا عثام ، قال : ثنا الأعمش ، عن شقيق بن سلمة ، عن سلمة بن سبرة ، قال : خطبنا معاذ ، فقال : أنتم المؤمنون ، وأنتم أهل الجنة ، والله إني لأرجو أن من تصيبون من فارس والروم يدخلون الجنة ، ذلك بأن أحدهم إذا عمل لأحدكم العمل قال : أحسنت رحمك الله ، أحسنت غفر الله لك ، ثم قرأ : وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ . وقوله : وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ يقول تعالى ذكره : ويزيد الذين آمنوا وعملوا الصالحات مع إجابته إياهم دعاءهم ، وإعطائه إياهم مسألتهم من فضله على مسألتهم إياه ، بأن يعطيهم ما لم يسألوه . وقيل : إن ذلك الفضل الذي ضمن جل ثناؤه أن يزيدهموه ، هو أن يشفعهم في إخوان إخوانهم إذا هم شفعوا في إخوانهم ، فشفعوا فيهم . ذكر من قال ذلك : حدثنا عبيد الله بن محمد الفريابي ، قال : ثنا عمرو بن أبي سلمة ، عن سعيد بن بشير ، عن قتادة ، عن إبراهيم النخعي في قول الله عز وجل : وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ قال : يشفعون في إخوانهم ، ويزيدهم من فضله ، قال : يشفعون في إخوان إخوانهم . وقوله : وَالْكافِرُونَ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ يقول جل ثناؤه : والكافرون بالله لهم يوم القيامة عذاب شديد على كفرهم به . واختلف أهل العربية في معنى قوله : وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا فقال بعضهم : أي استجاب فجعلهم هم الفاعلين ، فالذين في قوله رفع ، والفعل لهم وتأويل الكلام على هذا المذهب : واستجاب الذين آمنوا وعملوا الصالحات لربهم إلى الإيمان به ، والعمل بطاعته إذ دعاهم إلى ذلك . وقال آخر منهم : بل معنى ذلك : ويجيب الذين آمنوا . وهذا القول يحتمل وجهين : أحدهما الرفع ، بمعنى : ويجيب الله الذين آمنوا . والآخر ما قاله صاحب القول الذي ذكرنا . وقال بعض نحويي الكوفة : وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا يكون " والذين " في موضع نصب بمعنى : ويجيب الله الذين آمنوا . وقد جاء في التنزيل : فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ والمعنى : فأجاب لهم ربهم ، إلا أنك إذا قلت استجاب ، أدخلت اللام في المفعول ؛ وإذا قلت أجاب حذفت اللام ، ويكون استجابهم ، لمعنى : استجاب لهم ، كما قال جل ثناؤه : وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ والمعنى والله أعلم : إذا كالوا لهم ، أو وزنوا لهم يُخْسِرُونَ قال : ويكون " الذين " في موضع رفع إن يجعل الفعل لهم ، أي " الذين آمنوا يستجيبون لله ، ويزيدهم على إجابتهم ، والتصديق به من فضله . وقد بينا الصواب في ذلك من القول على ما تأوله معاذ ومن ذكرنا قوله فيه . القول في تأويل قوله تعالى : وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ ذكر أن هذه الآية نزلت من أجل قوم من أهل الفاقة من المسلمين تمنوا سعة الدنيا والغنى ، فقال جل ثناؤه : ولو بسط الله الرزق لعباده ، فوسعه وكثره عندهم لبغوا ، فتجاوزوا الحد الذي حده الله لهم إلى غير الذي حده لهم في بلاده بركوبهم في الأرض ما حظره عليهم ، ولكنه ينزل رزقهم بقدر لكفايتهم الذي يشاء منه . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال أبو هانئ : سمعت عمرو بن حريث وغيره يقولون : إنما أنزلت هذه الآية في أصحاب الصفة وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ ذلك بأنهم قالوا : لو أن لنا ، فتمنوا . حدثنا محمد بن سنان القزاز ، قال : ثنا أبو عبد الرحمن المقري ، قال : ثنا حيوة ، قال : أخبرني أبو هانئ ، أنه سمع عمرو بن حريث يقول : إنما نزلت هذه الآية ، ثم ذكر مثله . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ الآية قال : كان يقال : خير الرزق ما لا يطغيك ولا يلهيك . وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال : " أخوف ما أخاف على أمتي زهرة الدنيا وكثرتها " . فقال له قائل : يا نبي الله هل يأتي الخير بالشر ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : وهل يأتي الخير بالشر ؟ " فأنزل الله عليه عند ذلك ، وكان إذا نزل عليه كرب