محمد بن جرير الطبري

18

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

سعيد ، عن قتادة : إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ للذنوب شَكُورٌ للحسنات يضاعفها . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ قال : غفر لهم الذنوب ، وشكر لهم نعما هو أعطاهم إياها ، وجعلها فيهم . القول في تأويل قوله تعالى : أَمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَإِنْ . . . الصُّدُورِ يقول تعالى ذكره : أم يقول هؤلاء المشركون بالله : افْتَرى محمد عَلَى اللَّهِ كَذِباً فجاء بهذا الذي يتلوه علينا اختلاقا من قبل نفسه . وقوله : فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يا محمد يطبع على قلبك ، فتنس هذا القرآن الذي أنزل إليك . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : أَمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ فينسيك القرآن . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، في قوله : فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ قال : إن يشأ الله أنساك ما قد أتاك . حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، في قول الله عز وجل : فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ قال : يطبع . وقوله : وَيَمْحُ اللَّهُ الْباطِلَ يقول : ويذهب الله بالباطل فيمحقه . وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ التي أنزلها إليك يا محمد فيثبته . وقوله : وَيَمْحُ اللَّهُ الْباطِلَ في موضع رفع بالابتداء ، ولكنه حذفت منه الواو في المصحف ، كما حذفت من قوله : سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ ومن قوله : وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ وليس بجزم على العطف على يختم . التي أنزلها إليك يا محمد فيثبته . وقوله : إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ يقول تعالى ذكره : إن الله ذو علم بما في صدور خلقه ، وما تنطوي عليه ضمائرهم ، لا يخفى عليه من أمورهم شيء ، يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم : لو حدثت نفسك أن تفتري على الله كذبا ، لطبعت على قلبك ، وأذهبت الذي أتيتك من وحيي ، لأني أمحو الباطل فأذهبه ، وأحق الحق ، وإنما هذا إخبار من الله الكافرين به ، الزاعمين أن محمدا افترى هذا القرآن من قبل نفسه ، فأخبرهم أنه إن فعل لفعل به ما أخبر به في هذه الآية . القول في تأويل قوله تعالى : وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ وَيَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ يقول تعالى ذكره : والله الذي يقبل مراجعة العبد إذا رجع إلى توحيد الله وطاعته من بعد كفره وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ يقول : ويعفو أن يعاقبه على سيئاته من الأعمال ، وهي معاصيه التي تاب منها وَيَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ اختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء المدينة والبصرة " ويفعلون " بالياء ، بمعنى : ويعلم ما يفعل عباده ، وقرأته عامة قراء الكوفة تَفْعَلُونَ بالتاء على وجه الخطاب . والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان مشهورتان في قراءة الأمصار متقاربتا المعنى ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب ، غير أن الياء أعجب إلي ، لأن الكلام من قبل ذلك جرى على الخبر ، وذلك قوله : وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ويعني جل ثناؤه بقوله : وَيَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ ويعلم ربكم أيها الناس ما تفعلون من خير وشر ، لا يخفى عليه من ذلك شيء ، وهو مجازيكم على كل ذلك جزاءه ، فاتقوا الله في أنفسكم ، واحذروا أن تركبوا ما تستحقون به منه العقوبة . حدثنا تميم بن المنتصر ، قال : أخبرنا إسحاق بن يوسف ، عن شريك عن إبراهيم بن مهاجر ، عن إبراهيم النخعي ، عن همام بن الحرث ، قال : أتينا عبد الله نسأله عن هذه الآية : وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ وَيَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ قال : فوجدنا عنده أناسا أو رجالا يسألونه عن رجل أصاب من امرأة حراما ، ثم تزوجها ، فتلا هذه الآية وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ وَيَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ . القول في تأويل قوله تعالى : وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا . . . مِنْ فَضْلِهِ . . . شَدِيدٌ يقول تعالى ذكره : ويجيب الذين آمنوا بالله ورسوله ، وعملوا بما أمرهم الله به ، وانتهوا عما نهاهم عنه لبعضهم دعاء بعض . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .