محمد بن جرير الطبري
53
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
يقول تعالى ذكره : فالذي فعل هذه الأفعال ، وأنعم عليكم أيها الناس هذه النعم ، هو الله الذي لا تنبغي الألوهة إلا له ، وربكم الذي لا تصلح الربوبية لغيره ، لا الذي لا ينفع ولا يضر ، ولا يخلق ولا يرزق فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ يقول : فتبارك الله مالك جميع الخلق جنهم وإنسهم ، وسائر أجناس الخلق غيرهم هُوَ الْحَيُّ يقول : هو الحي الذي لا يموت ، الدائم الحياة ، وكل شيء سواه فمنقطع الحياة غير دائمها لا إِلهَ إِلَّا هُوَ يقول : لا معبود بحق تجوز عبادته ، وتصلح الألوهة له إلا الله الذي هذه الصفات صفاته ، فادعوه أيها الناس مخلصين له الدين ، مخلصين له الطاعة ، مفردين له الألوهة ، لا تشركوا في عبادته شيئا سواه ، من وثن وصنم ، ولا تجعلوا له ندا ولا عدلا الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ يقول : الشكر لله الذي هو مالك جميع أجناس الخلق ، من ملك وجن وإنس وغيرهم ، لا للآلهة والأوثان التي لا تملك شيئا ، ولا تقدر على ضر ولا نفع ، بل هو مملوك ، إن ناله نائل بسوء لم يقدر له عن نفسه دفعا . وكان جماعة من أهل العلم يأمرون من قال : لا إله إلا الله ، أن يتبع ذلك : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ تأولا منهم هذه الآية ، بأنها أمر من الله بقيل ذلك . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن علي بن الحسن بن شقيق ، قال : سمعت أبي ، قال : أخبرنا الحسين بن واقد ، قال : ثنا الأعمش ، عن مجاهد ، عن ابن عباس ، قال : من قال لا إله إلا الله ، فليقل على إثرها : الحمد لله رب العالمين ، فذلك قوله : فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ حدثنا عبد الحميد بن بيان السكري قال : ثنا محمد بن يزيد ، عن إسماعيل ، عن سعيد بن جبير ، قال : " إذا قال أحدكم : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، فليقل : الحمد لله رب العالمين ، ثم قال : فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ . حدثني محمد بن عبد الرحمن ، قال : ثنا محمد بن بشر ، قال : ثنا إسماعيل بن أبي خالد ، عن سعيد بن جبير أنه كان يستحب إذا قال : لا إله إلا الله ، يتبعها الحمد لله ، ثم قرأ هذه الآية : هُوَ الْحَيُّ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ . حدثني محمد بن عمارة ، قال : ثنا عبيد الله بن موسى ، قال : أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد ، عن عامر ، عن سعيد بن جبير ، قال : إذا قال أحدكم لا إله إلا الله وحده ، فليقل بأثرها : الحمد لله رب العالمين ، ثم قرا فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ . . القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جاءَنِي الْبَيِّناتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل يا محمد لمشركي قومك من قريش إِنِّي نُهِيتُ أيها القوم أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ من الآلهة والأوثان لَمَّا جاءَنِي الْبَيِّناتُ مِنْ رَبِّي يقول : لما جاءني الآيات الواضحات من عند ربي ، وذلك آيات كتاب الله الذي أنزله وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ يقول : وأمرني ربي أن أذل لرب كل شيء ، ومالك كل خلق بالخضوع ، وأخضع له بالطاعة دون غيره من الأشياء . القول في تأويل قوله تعالى : هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ يقول تعالى ذكره آمرا نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بتنبيه مشركي قومه على حججه عليهم في وحدانيته : قل يا محمد لقومك : أمرت أن أسلم لرب العالمين الذي صفته هذه الصفات . وهي أنه خلق أباكم آدم مِنْ تُرابٍ ثُمَّ خلقكم مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ بعد أن كنتم نطفا ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا من بطون أمهاتكم صغارا ، ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ فتتكامل قواكم ، ويتناهى شبابكم ، وتمام خلقكم شيوخا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ